مع بداية عام 2026، بدا وكأن أوروبا تعيد اكتشاف شهيتها للغاز الطبيعي. فقد رفعت أكبر الدول المستهلكة للطاقة في القارة إنتاج الكهرباء عبر محطات الغاز إلى أعلى مستوياته منذ عدة سنوات، وهو ما أثار تفاؤلاً واسعاً لدى مصدّري الغاز الطبيعي المسال حول العالم بأن الطلب الأوروبي على هذا الوقود الحيوي في طريقه إلى التعافي.
لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً. فخلال شهر مارس ظهرت مؤشرات واضحة على تباطؤ الاستهلاك، إذ تراجع متوسط إنتاج الكهرباء المعتمد على الغاز لدى كبار المستهلكين بنحو الثلث مقارنة بالشهر السابق.
يعود جزء من هذا التراجع إلى الارتفاع الحاد في أسعار السلعة الحيوية داخل أوروبا بعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير، كما لعب الطقس دوراً مهماً، فقد شهدت مناطق واسعة من أوروبا الغربية والوسطى درجات حرارة أعلى من المعتاد، ما خفّض الطلب على التدفئة وبالتالي قلّص استهلاك الغاز مقارنة ببداية العام.
ومع ذلك، فإن صورة الطلب ليست واضحة تماماً. فمستويات مخزون الغاز في أوروبا حالياً منخفضة نسبياً، الأمر الذي يفرض على الدول الأوروبية إعادة ملء المخازن قبل حلول الشتاء المقبل، ما يعني أن واردات الغاز ستستمر حتى لو ظل الطلب الصناعي أو الكهربائي ضعيفاً في المدى القصير.
هذا المزيج المعقّد من العوامل يضع قطاع الغاز الطبيعي المسال العالمي أمام معضلة حقيقية. فالشركات تستثمر مليارات الدولارات في توسيع طاقات التصدير على أساس أن الطلب الأوروبي سيواصل النمو خلال السنوات المقبلة. لكن أي تغيّر في أنماط الاستهلاك داخل القارة قد يربك هذه الحسابات.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على قطاع الغاز وحده. فالتغيرات في استهلاك الغاز الأوروبي قد تمنح دفعة إضافية لقطاعات التكنولوجيا النظيفة، مثل الطاقة المتجددة ومضخات الحرارة وأنظمة البطاريات، التي يمكن أن تستفيد من تراجع الاعتماد على الوقود الأحفوري. تظهر بيانات «إمبر» أن إنتاج الكهرباء من الغاز في أوروبا بلغ في المتوسط نحو 110 تيراوات/ ساعة شهرياً خلال الفترة بين أكتوبر ومارس بين عامي 2019 و2025، قبل أن ينخفض إلى نحو 87 تيراوات/ ساعة شهرياً بين إبريل وسبتمبر. أي أن الاستهلاك يتراجع بنحو 26% في منتصف العام.
وتشير توقعات الطقس إلى استمرار درجات الحرارة المرتفعة نسبياً في أوروبا الغربية حتى إبريل، ما يعني أن الانخفاض الموسمي في استهلاك الغاز قد بدأ بالفعل. وبالتالي قد ينخفض الطلب الإجمالي حتى من دون أي تأثير مباشر لأزمة الشرق الأوسط.
في المقابل، وبعد أن اقتربت من 2000 مليار قدم مكعبة مطلع نوفمبر الفائت، انخفضت مستويات مخزون الغاز في أوروبا حالياً إلى نحو 27% من السعة التخزينية، أي لا تتجاوز 370 مليار قدم مكعبة. وهي أدنى نسبة في هذا الوقت من العام منذ 2022، ولا تكفي لتغطية احتياجات التدفئة في الشتاء.
العام الماضي، استقبلت أوروبا في المتوسط ثلاث ناقلات غاز طبيعي مسال يومياً، وفق بيانات «كبلر»، ما يعني أن توفير شحنتين يومياً للمخزون أمر ممكن نظرياً. لكن الواقع أكثر تعقيداً، إذ يأتي الجزء الأكبر من إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب، بمعدل يقارب 17 مليار قدم مكعبة يومياً من دول مثل النرويج وشمال إفريقيا وأذربيجان. لذلك تفضّل شركات التخزين هذه الإمدادات الأرخص ثمناً، فيما تلجأ إلى الغاز المسال عندما تكون الأسعار مناسبة.
يبقى أداء القطاع الصناعي عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الطلب على الغاز في أوروبا. فالأسمدة والكيماويات والصلب والعديد من الصناعات الثقيلة كانت تاريخياً من كبار مستهلكي الغاز. لكن هذا الطلب تراجع بشدة منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وظل ضعيفاً في ظل تباطؤ النشاط الاقتصادي في القارة. ويعكس قطاع السيارات الأوروبي هذا التراجع بوضوح، إذ أعلنت شركة فولكسفاغن، أكبر صانع سيارات في أوروبا، عن تسريحات للعمال وانخفاض في الأرباح خلال العام الجاري.
وفي محاولة لخفض التكاليف وتوفير قدر أكبر من الاستقرار التنظيمي للصناعة، يعمل صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي على إعداد قواعد جديدة للتدفئة الصناعية، تهدف إلى مساعدة بعض القطاعات على استبدال الغاز بالكهرباء الأرخص والأكثر استقراراً.
كما تسعى الحكومات الأوروبية إلى زيادة إنتاج الميثان الحيوي المستخرج من النفايات الزراعية والبلدية لتقليل الاعتماد على واردات الغاز. وإذا نجحت هذه السياسات، فقد ينخفض استهلاك الغاز الصناعي على المدى الطويل. غير أن ذلك سيؤدي في المقابل إلى زيادة الطلب على الكهرباء، ما يضع عبئاً إضافياً على قطاع الطاقة لتوفيرها بأسعار منخفضة.
مع ذلك، فإن هذه التحولات تحتاج سنوات حتى تظهر آثارها الكاملة. وحتى ذلك الحين، ستظل الشركات الأوروبية المعتمدة على الغاز أمام خيارين لا ثالث لهما: تشغيل مصانعها عندما تكون الأسعار محتملة، أو تقليص الإنتاج عندما تصبح الطاقة مكلفة للغاية.