لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة طاقة عادية في الولايات المتحدة، بل أصبح العمود الفقري الذي يغذي كل شيء تقريباً، من محطات الكهرباء إلى المنازل والمصانع، وصولاً إلى قطاع تصدير الغاز الطبيعي المسال المزدهر. غير أن المفارقة التي تتشكل بهدوء في قلب هذا المشهد، هي أن هذا الطلب المتسع يُلبّى من قاعدة إنتاج تضيق تدريجياً.
هذه الفجوة بين قاعدة استهلاك تتسع، ومصادر إمداد تتقلص ليست مجرد خلل مؤقت، بل مؤشر على اختلال هيكلي محتمل في سوق الغاز الأمريكي، قد يترجم إلى ضغوط متكررة على الإمدادات وتقلبات حادة في الأسعار.
المشكلة أن ارتفاع الأسعار، وإن كان حافزاً للإنتاج، يحمل في طياته كلفة اقتصادية ثقيلة، وقد يقوّض طموحات الولايات المتحدة في ترسيخ ريادتها في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات البيانات، وهي قطاعات تعتمد على طاقة وفيرة ومنخفضة الكلفة. وهنا، يجد منتجو الغاز أنفسهم تحت ضغط مزدوج، لتلبية الطلب المتنامي دون إشعال فتيل الأسعار.
لا يمكن فهم المشهد دون العودة إلى «الغاز الصخري»، الذي دفع الولايات المتحدة إلى صدارة منتجي ومصدّري الغاز عالمياً، إذ يشكل الغاز المستخرج من التكوينات الصخرية اليوم نحو 75% من إجمالي الإمدادات الأمريكية.
لكن هذه الثورة، التي بدت لسنوات بلا سقف، بدأت تُظهر علامات الإرهاق. فمع نضوج الحقول الكبرى، تراجعت معدلات النمو بفعل انخفاض ضغط المكامن وتزايد التداخل بين الآبار نتيجة كثافة الحفر.
صحيح أن ارتفاع الأسعار قد يدفع المنتجين إلى تكثيف أنشطتهم، إلا أن الواقع يشير إلى أن أفضل الآبار قد استُنزفت بالفعل خلال أكثر من عقد من الاستكشاف المكثف. وهذا يعني أن المستقبل القريب سيظل معتمداً على نفس الأحواض الرئيسية، حتى مع تباطؤ معدلات الإنتاج.
تتركز معظم إمدادات الغاز الصخري الأمريكي في ثلاثة أحواض رئيسية: «مارسيلاس» في بنسلفانيا، «هاينسفيل» في لويزيانا وتكساس، وحوض «بيرميان» في غرب تكساس.
هذه الأحواض الثلاثة أنتجت معاً نحو 74% من الغاز الصخري الأمريكي في عام 2025، بإجمالي بلغ 22.2 تريليون قدم مكعبة، وهو رقم يعكس تضاعف الإنتاج بأكثر من 160% مقارنة بعام 2016.
لكن هذه القفزة الهائلة تخفي وراءها حقيقة مقلقة، وهي أن النمو يتباطأ بسرعة. ففي ذروة طفرة التكسير الهيدروليكي بين 2017 و2021، بلغ متوسط النمو السنوي للإنتاج من هذه الأحواض 16%، قبل أن يتراجع إلى نحو 6% فقط منذ 2022.
بعبارة أخرى، المحركات نفسها لا تزال تعمل... لكنها تفقد العزم.
رغم جمعها تحت مظلة واحدة، تختلف هذه الأحواض الثلاثة جذرياً في خصائصها وتحدياتها. «مارسيلاس»، عملاق منخفض الكلفة، يستفيد من جيولوجيا ملائمة وقربه من مراكز الطلب في الساحل الشرقي. ورغم ضخامة احتياطياته المتبقية، فإن نموه مكبل بقيود البنية التحتية، خاصة محدودية خطوط الأنابيب وصعوبة الحصول على تصاريح لمشاريع جديدة.
«هاينسفيل»، أقرب إلى مراكز تصدير الغاز المسال، ما يمنحه ميزة استراتيجية، لكنه يعاني ارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب عمق المكامن وضغطها العالي، ما يجعله شديد الحساسية لتقلبات الأسعار..
* كاتب متخصص في التحول العالمي في مجال الطاقة (رويترز)
مع دخول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الرابع، لا تقتصر تداعياتها على ساحات القتال، بل تمتد بقوة إلى قلب الاقتصاد العالمي. فإغلاق مضيق هرمز منذ الثاني من مارس فجّر موجة ارتفاعات حادة في أسعار الغاز الطبيعي والوقود والأسمدة والمواد الصناعية، ما أدى إلى استنزاف سريع للمخزونات وارتباك سلاسل الإمداد.
لكن وسط هذا الاضطراب، يبرز سؤال حاسم: من الأكثر عرضة للصدمة، الولايات المتحدة، أوروبا، أم الصين؟ الإجابة لا تكمن في حجم الاستهلاك فحسب، بل في معادلة أكثر عمقاً: مدى اعتماد كل اقتصاد على مصادر الطاقة المحلية مقابل الواردات.
تبدو الولايات المتحدة، للوهلة الأولى، في موقع مريح. فقد أعادت «ثورة النفط والغاز الصخري» منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثانية رسم خريطة أمن الطاقة لديها.
في الواقع، ارتفعت حصة إجمالي إمدادات الطاقة الأمريكية التي تأتي من مصادر محلية من 75% في عام 2010 إلى أكثر من 108% في عام 2024، وفقاً لمعهد الطاقة، وذلك بفضل زيادة إنتاج النفط بنسبة 166% وارتفاع إنتاج الغاز بنسبة 80% خلال تلك الفترة.
غير أن هذا الاكتفاء الظاهري يُخفي مفارقة أساسية، وهي أن الاستقلال في الإنتاج لا يعني الحصانة من تقلبات الأسعار. فالمصافي الأمريكية تشتري النفط الخام وفق الأسعار العالمية، وليس المحلية، ما يجعل المستهلك الأمريكي عرضة مباشرة لاهتزازات السوق الدولية.
وقد تجلى ذلك بوضوح مع ارتفاع أسعار البنزين والديزل بأكثر من 50% خلال شهر واحد فقط، في انعكاس مباشر لأزمة إيران. وبينما تدرس السلطات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية لاحتواء الأسعار، تبقى الحقيقة أن السوق الأمريكية، رغم وفرة إنتاجها، لا تزال رهينة التسعير العالمي.
إذا كان النفط يكشف حدود «الاستقلال الأمريكي»، فإن الغاز الطبيعي يمثل قصة نجاح مختلفة. فقد أدى فائض الإنتاج إلى تحويل الولايات المتحدة إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم منذ 2023.
قفزت حصة الغاز في توليد الكهرباء من 24% عام 2010 إلى أكثر من 42% في 2024، في حين ارتفعت صادرات الغاز المسال من أقل من نصف مليون طن في 2015 إلى نحو 108 ملايين طن في 2025. هذا الفائض لا يعزز فقط أمن الطاقة الداخلي، بل يمنح واشنطن نفوذاً جيوسياسياً متزايداً في أسواق الطاقة العالمية.
ومع ذلك، يبقى هذا التفوق جزئياً، طالما أن تسعير الوقود مرتبط بالسوق الدولية.
على النقيض، تقف أوروبا عند الطرف الأضعف من معادلة أمن الطاقة. فالقارة التي سعت منذ 2022 إلى فك ارتباطها بالغاز الروسي، وجدت نفسها تستبدل اعتماداً بآخر، من موسكو إلى واشنطن.
ورغم أن الغاز الأمريكي سدّ جزءاً من الفجوة، فإن المشكلة البنيوية لم تتغير. إذ لا يزال نحو نصف احتياجات أوروبا للطاقة يأتي من الخارج، في ظل تراجع إنتاج النفط والغاز والفحم إلى مستويات تاريخية منخفضة.
هذه التبعية انعكست مباشرة على الاقتصاد، مع ارتفاع تكاليف الطاقة وتآكل القدرة التنافسية للشركات، إلى جانب تضخم يثقل كاهل الأسر. وفي محاولة للخروج من هذا المأزق، تسارع الحكومات الأوروبية إلى توسيع الاعتماد على الطاقة المتجددة، ودفع خطط كهربة القطاعات الصناعية.
لكن هذه التحولات، مهما تسارعت، تحتاج إلى وقت. وفي الأمد القريب، تظل أوروبا، وخاصة ألمانيا التي تستورد نحو 75% من احتياجاتها، الأكثر عرضة لتداعيات أزمة إيران. أما الصين، أكبر مستهلك للطاقة في العالم، فتقدم نموذجاً أكثر توازناً. فعلى الرغم من كونها أحد أكبر مستوردي النفط والغاز والفحم، فإن نحو 83% من إمداداتها تأتي من مصادر محلية، مدعومة بإنتاج ضخم من الفحم والطاقة النظيفة.
إلى جانب ذلك، بنت بكين خلال السنوات الأخيرة مخزونات استراتيجية كبيرة، خصوصاً من النفط الخام، ما يمنحها «وسادة» مؤقتة لامتصاص الصدمات. غير أن هذه الحماية ليست دائمة، فاقتصاد بحجم الصين يستهلك نحو 16 مليون برميل نفط يومياً، يعني أن أي مخزون احتياطي للطاقة، مهما كان كبيراً، سيتآكل بسرعة إذا استمرت الأزمة. وبالتالي، فإن الصين، رغم متانتها النسبية، لن تكون بمنأى عن تداعيات اضطراب الإمدادات لفترة طويلة.
تكشف الحرب الدائرة في الشرق الأوسط حقيقة أساسية مفادها، أن أمن الطاقة ليس مفهوماً مطلقاً، بل شبكة معقدة من الإنتاج المحلي، وسلاسل الإمداد، وآليات التسعير. الولايات المتحدة تملك وفرة إنتاجية، لكنها مكشوفة سعرياً، أوروبا تعاني اعتماداً هيكلياً يجعلها الأكثر هشاشة، والصين لديها مزيج من الاكتفاء النسبي والمخزونات، لكنه محدود زمنياً. ما يعني أنه حتى أقوى الاقتصادات لا تستطيع عزل نفسها عن صدمات الطاقة العالمية، إنما يمكنها فقط تأجيل تأثيرها أو تخفيف حدته`ا.
مع بداية عام 2026، بدا وكأن أوروبا تعيد اكتشاف شهيتها للغاز الطبيعي. فقد رفعت أكبر الدول المستهلكة للطاقة في القارة إنتاج الكهرباء عبر محطات الغاز إلى أعلى مستوياته منذ عدة سنوات، وهو ما أثار تفاؤلاً واسعاً لدى مصدّري الغاز الطبيعي المسال حول العالم بأن الطلب الأوروبي على هذا الوقود الحيوي في طريقه إلى التعافي.
لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً. فخلال شهر مارس ظهرت مؤشرات واضحة على تباطؤ الاستهلاك، إذ تراجع متوسط إنتاج الكهرباء المعتمد على الغاز لدى كبار المستهلكين بنحو الثلث مقارنة بالشهر السابق.
يعود جزء من هذا التراجع إلى الارتفاع الحاد في أسعار السلعة الحيوية داخل أوروبا بعد اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير، كما لعب الطقس دوراً مهماً، فقد شهدت مناطق واسعة من أوروبا الغربية والوسطى درجات حرارة أعلى من المعتاد، ما خفّض الطلب على التدفئة وبالتالي قلّص استهلاك الغاز مقارنة ببداية العام.
ومع ذلك، فإن صورة الطلب ليست واضحة تماماً. فمستويات مخزون الغاز في أوروبا حالياً منخفضة نسبياً، الأمر الذي يفرض على الدول الأوروبية إعادة ملء المخازن قبل حلول الشتاء المقبل، ما يعني أن واردات الغاز ستستمر حتى لو ظل الطلب الصناعي أو الكهربائي ضعيفاً في المدى القصير.
هذا المزيج المعقّد من العوامل يضع قطاع الغاز الطبيعي المسال العالمي أمام معضلة حقيقية. فالشركات تستثمر مليارات الدولارات في توسيع طاقات التصدير على أساس أن الطلب الأوروبي سيواصل النمو خلال السنوات المقبلة. لكن أي تغيّر في أنماط الاستهلاك داخل القارة قد يربك هذه الحسابات.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على قطاع الغاز وحده. فالتغيرات في استهلاك الغاز الأوروبي قد تمنح دفعة إضافية لقطاعات التكنولوجيا النظيفة، مثل الطاقة المتجددة ومضخات الحرارة وأنظمة البطاريات، التي يمكن أن تستفيد من تراجع الاعتماد على الوقود الأحفوري. تظهر بيانات «إمبر» أن إنتاج الكهرباء من الغاز في أوروبا بلغ في المتوسط نحو 110 تيراوات/ ساعة شهرياً خلال الفترة بين أكتوبر ومارس بين عامي 2019 و2025، قبل أن ينخفض إلى نحو 87 تيراوات/ ساعة شهرياً بين إبريل وسبتمبر. أي أن الاستهلاك يتراجع بنحو 26% في منتصف العام.
وتشير توقعات الطقس إلى استمرار درجات الحرارة المرتفعة نسبياً في أوروبا الغربية حتى إبريل، ما يعني أن الانخفاض الموسمي في استهلاك الغاز قد بدأ بالفعل. وبالتالي قد ينخفض الطلب الإجمالي حتى من دون أي تأثير مباشر لأزمة الشرق الأوسط.
في المقابل، وبعد أن اقتربت من 2000 مليار قدم مكعبة مطلع نوفمبر الفائت، انخفضت مستويات مخزون الغاز في أوروبا حالياً إلى نحو 27% من السعة التخزينية، أي لا تتجاوز 370 مليار قدم مكعبة. وهي أدنى نسبة في هذا الوقت من العام منذ 2022، ولا تكفي لتغطية احتياجات التدفئة في الشتاء.
العام الماضي، استقبلت أوروبا في المتوسط ثلاث ناقلات غاز طبيعي مسال يومياً، وفق بيانات «كبلر»، ما يعني أن توفير شحنتين يومياً للمخزون أمر ممكن نظرياً. لكن الواقع أكثر تعقيداً، إذ يأتي الجزء الأكبر من إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب، بمعدل يقارب 17 مليار قدم مكعبة يومياً من دول مثل النرويج وشمال إفريقيا وأذربيجان. لذلك تفضّل شركات التخزين هذه الإمدادات الأرخص ثمناً، فيما تلجأ إلى الغاز المسال عندما تكون الأسعار مناسبة.
يبقى أداء القطاع الصناعي عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الطلب على الغاز في أوروبا. فالأسمدة والكيماويات والصلب والعديد من الصناعات الثقيلة كانت تاريخياً من كبار مستهلكي الغاز. لكن هذا الطلب تراجع بشدة منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وظل ضعيفاً في ظل تباطؤ النشاط الاقتصادي في القارة. ويعكس قطاع السيارات الأوروبي هذا التراجع بوضوح، إذ أعلنت شركة فولكسفاغن، أكبر صانع سيارات في أوروبا، عن تسريحات للعمال وانخفاض في الأرباح خلال العام الجاري.
وفي محاولة لخفض التكاليف وتوفير قدر أكبر من الاستقرار التنظيمي للصناعة، يعمل صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي على إعداد قواعد جديدة للتدفئة الصناعية، تهدف إلى مساعدة بعض القطاعات على استبدال الغاز بالكهرباء الأرخص والأكثر استقراراً.
كما تسعى الحكومات الأوروبية إلى زيادة إنتاج الميثان الحيوي المستخرج من النفايات الزراعية والبلدية لتقليل الاعتماد على واردات الغاز. وإذا نجحت هذه السياسات، فقد ينخفض استهلاك الغاز الصناعي على المدى الطويل. غير أن ذلك سيؤدي في المقابل إلى زيادة الطلب على الكهرباء، ما يضع عبئاً إضافياً على قطاع الطاقة لتوفيرها بأسعار منخفضة.
مع ذلك، فإن هذه التحولات تحتاج سنوات حتى تظهر آثارها الكاملة. وحتى ذلك الحين، ستظل الشركات الأوروبية المعتمدة على الغاز أمام خيارين لا ثالث لهما: تشغيل مصانعها عندما تكون الأسعار محتملة، أو تقليص الإنتاج عندما تصبح الطاقة مكلفة للغاية.
غافين ماغواير *
بينما تنشغل أوروبا بملفات الدفاع والهجرة والتوترات الجيوسياسية، من المتوقع أن يكشف المشرعون قريباً عن سياسات جديدة بشأن مصادر التدفئة المستخدمة في الصناعة، والتي قد تحدد ما إذا كان بإمكان المنطقة الحفاظ على أعمال تجارية قابلة للاستمرار وتنافسية، أو ستشهد مزيداً من التراجع في قاعدتها الصناعية.
المصانع الكيميائية، ومصاهر الصلب، وخطوط تجميع السيارات، ومصانع الأغذية، ومنشآت الإلكترونيات قد تختلف في منتجاتها، لكنها تشترك في عنصر لا يمكن الاستغناء عنه: التدفئة الصناعية. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، يستهلك القطاع الصناعي نحو ربع إجمالي الطاقة في أوروبا، فيما تمثل تطبيقات الحرارة قرابة نصف احتياجات الصناعة من الطاقة.
تاريخياً، اعتمدت معظم الصناعات الأوروبية على الغلايات العاملة بالغاز لتوليد الحرارة. لكن القفزة الحادة في أسعار الغاز منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 قلبت المعادلة. تضخمت التكاليف، وتآكلت الهوامش، ودخلت منشآت عديدة منطقة الخسارة. في ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي وأكبر قاعدة صناعية في القارة، هبط إنتاج الكيماويات والبلاستيك والأسمدة إلى مستويات تاريخية متدنية، تحت وطأة أسعار الطاقة المرتفعة وضبابية المسار السياسي، ما انعكس تباطؤاً في النشاط الصناعي والنمو الاقتصادي.
اليوم، يستعد صانعو القرار في الاتحاد الأوروبي لإطلاق حزمة إجراءات هذا الربيع، تهدف إلى تسريع نشر تقنيات الحرارة الصناعية الكهربائية، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري. الرهان مزدوج: خفض فاتورة واردات الوقود الأحفوري التي تكلف القارة مئات مليارات الدولارات سنوياً، وتقليص الانبعاثات الصناعية في آن واحد.
غير أن الانتقال من الغلايات العاملة بالغاز إلى الكهرباء ليس مجرد قرار تقني؛ إنه تحول هيكلي عميق. صياغة سياسات قابلة للتطبيق تلبي احتياجات صناعات تمتد من لشبونة إلى وارسو ستكون مهمة شديدة التعقيد، خصوصاً في ظل توترات متصاعدة بين دول الاتحاد الأوروبي حول أولويات الطاقة والتمويل والدعم.
ومع ذلك، فإن الإبقاء على خليط السياسات الجزئية الحالي، بينما تبقى الصناعة رهينة واردات وقود أحفوري باهظة ومتقلبة، لم يعد خياراً مقبولاً لدى دوائر القرار الأساسية. فخسائر الوظائف تتزايد، والإيرادات الضريبية تتآكل مع تعثر الشركات، ما يضغط على خزائن الحكومات ويضعف قدرتها السياسية على رسم مسار صناعي جديد ومستدام.
لهذا، يتعرض مشرعو الاتحاد الأوروبي ومستشارو الصناعة لضغوط هائلة لوضع خريطة طريق جريئة وفعالة، تنقل الصناعة الأوروبية سريعاً إلى نموذج يقوم على كهرباء أرخص وأنظف، تعزز أمن الطاقة الإقليمي وتستعيد القدرة التنافسية.
ومع اقتراب موعد إطلاق خطة عمل الاتحاد الأوروبي للكهرباء 2026، تكثف مراكز الفكر الأوروبية مقترحاتها حول أفضل السبل لتزويد الصناعات بالكهرباء ومساعدة الشركات على العودة إلى النمو. ومن أبرزها، ما أسهم في إعداده معهد «فراونهوفر» المتخصص في البحوث التطبيقية للصناعة، والتي ركّزت بشكل أساسي على إمكانية استخدام الكهرباء في عمليات التسخين الصناعية ذات درجات الحرارة المنخفضة والمتوسطة.
أحد الاستنتاجات اللافتة في التقرير أن المضخات الحرارية الكهربائية المتاحة حالياً يمكن أن تخفض تكاليف التشغيل في قطاع الأغذية والمشروبات بنحو 20% مقارنة بأنظمة التدفئة المعتمدة على الغاز، حتى لو بقيت أسعار الكهرباء أعلى بثلاث مرات من أسعار الغاز الإقليمية.
وتشير النتائج أيضاً إلى أن قطاعي الورق والكيماويات قادران على إنجاز جزء كبير من عملياتهما التي تعتمد حالياً على الغاز، عبر مضخات حرارية كهربائية متطورة. لكن تحقيق هذا التحول يتطلب إعادة صياغة عميقة لبيئة الحوافز.
تقترح مراكز الفكر خفض الضرائب والرسوم المفروضة على استهلاك الكهرباء، مقابل رفع الضرائب على استخدام الغاز من خلال زيادات متسقة في أسعار الكربون. كما تدعو إلى اعتماد جداول إهلاك أكثر مرونة للمعدات الكهربائية الجديدة، بحيث تحصل الشركات على مزايا ضريبية مقابل الاستثمارات الرأسمالية المرتبطة بالكهربة.
إلى جانب ذلك، سيكون تسريع منح التراخيص لمشاريع توليد الكهرباء النظيفة، ودمج مصادر الطلب الجديدة على الشبكات بسرعة، أمراً حاسماً لتمكين الصناعة من التحول بوتيرة سريعة. كما يتعين توسيع أدوات التمويل المشترك بين القطاعين العام والخاص، كي تتمكن الشركات من تحمل كلفة الاستثمارات المطلوبة في زمن قياسي.
التحدي هائل. تنفيذ كل هذه الأهداف بوتيرة متسارعة وعبر دول متعددة قد يكون من أصعب الاختبارات التي واجهها صانعو السياسات الأوروبيون على الإطلاق. لكن كلفة الفشل قد تكون أعلى بكثير: انهيار شركات كاملة، وتآكل ما تبقى من القاعدة الصناعية، وصدمة اقتصادية عميقة وطويلة الأمد تطال القارة بأسرها.
الاختيار، في جوهره، ليس تقنياً فحسب. إنه خيار استراتيجي يتعلق بمكانة أوروبا في الاقتصاد العالمي.
*كاتب متخصص في التحول العالمي في مجال الطاقة
بعد سنوات من الطلب القوي، يواجه مصدّرو الفحم الحراري لحظة مراجعة نادرة. فقد سجّلت الصادرات العالمية أول انكماش سنوي لها منذ أن أطاحت جائحة «كوفيد-19» بالطلب في 2020، ما دفع هؤلاء إلى البحث عن فرص توسّع جديدة. المشكلة أن هذه الفرص باتت محدودة، ومحصورة في عدد ضيق من الأسواق الناشئة. وأظهرت بيانات شركة «كبلر»، المتخصصة في معلومات السلع الأساسية، أن نصف أكبر عشرة مستوردين للفحم الحراري في عام 2025 خفّضوا مشترياتهم مقارنة بالعام السابق، بمن فيهم أكبر ثلاثة مشترين قلّصوا وارداتهم مجتمعة بنحو 50 مليون طن متري. هذه الضربة الثقيلة أدّت إلى تراجع إجمالي صادرات الفحم الحراري بنحو 33 مليون طن، أي ما يعادل 3%، لتستقر عند نحو 936 مليون طن، وهو أدنى مستوى سنوي منذ 2022.
وأعاد هذا التراجع المتزامن في الأسواق الكبرى طرح سؤال جوهري: هل بلغ الفحم ذروته بالفعل؟ المؤشرات تميل إلى الإيجاب، في ظل تسارع التحول نحو مصادر طاقة أنظف في عدد متزايد من الاقتصادات. ومع ذلك، لا تزال هناك دول عالقة في مرحلة نمو استهلاك الفحم، ما يجعلها ساحة تنافس محتدمة للمصدّرين في السنوات المقبلة.
لطالما شكّلت الصين والهند واليابان العمود الفقري لسوق الفحم الحراري، إذ استحوذت مجتمعة على نحو 60% من الواردات العالمية منذ 2017. في 2025، بلغت مشترياتها نحو 565 مليون طن، أي أقل بقليل من 59% من الإجمالي العالمي، لكنها كانت أقل ب49 مليون طن عن عام 2024، وأدنى مستوى منذ 2022.
تظل الصين المستورد الأكبر بفارق شاسع مع 308 ملايين طن، تليها الهند ب157 مليون طن، ثم اليابان بنحو 100 مليون طن. هذا الحجم الضخم جعل هذه الدول محور اهتمام كبار المصدّرين، ولا سيما إندونيسيا وأستراليا. لكن الانكماش المتزامن في واردات «الثلاثة الكبار» يبدو إشارة مبكرة إلى اتجاه طويل الأمد، مع تراجع دور الفحم في توليد الكهرباء والصناعة.
في الصين، يؤدي التوسع السريع في الطاقات المتجددة، إلى جانب دعم التعدين المحلي، إلى تقليص الحاجة إلى الواردات. وفي الهند، تحظى صناعة الفحم المحلية بدعم حكومي واسع للحفاظ على الوظائف وخفض الاعتماد على الخارج. أما اليابان، فعودة المفاعلات النووية تدريجياً بعد إغلاق طويل عقب كارثة فوكوشيما 2011 تقلّص الاعتماد على الفحم في قطاع الكهرباء.
إلى جانب هذه الدول، تشهد أسواق مثل الفلبين وتايوان مساراً هبوطياً في حصة الفحم ضمن مزيج الطاقة، ما يعني أن المصدّرين باتوا مضطرين للبحث عن بدائل.
في المقابل، وبينما خفّض أكبر ثلاثة مستوردين مشترياتهم بنحو 50 مليون طن، زادت الدول العشر التالية وارداتها مجتمعة بنحو 13 مليون طن. صحيح أن هذا الرقم لا يمثل سوى 4% من واردات الصين وحدها العام الماضي، لكنه يظل فرصة لتعويض جزء من الخسائر.
برزت بنغلاديش كأسرع الأسواق نمواً بزيادة قدرها 4.9 مليون طن إلى مستوى قياسي يقارب 17 مليون طن في 2025. وسجّلت تركيا زيادة بنحو 4.5 مليون طن إلى 32 مليون طن، فيما رفعت كوريا الجنوبية، رابع أكبر مستورد، مشترياتها بنحو 3.65 مليون طن إلى 76 مليوناً. كما شهدت فيتنام وماليزيا وتايلاند وهولندا زيادات متوسطة بنحو 1.3 مليون طن لكل منها العام الماضي.
الدافع الأساسي وراء هذا النمو هو ارتفاع حصة الفحم في توليد الكهرباء. ففي بنغلاديش، تجاوزت هذه الحصة 40% لأول مرة في 2025 مع تنامي الطلب على الطاقة. وفي كوريا الجنوبية، بلغت أعلى مستوى لها في أربع سنوات نتيجة خفض الإنتاج النووي. أما في ماليزيا وفيتنام والفلبين، فظلت حصة الفحم فوق 40%.
في تركيا، تراجعت حصة الفحم قليلاً إلى نحو 34% لنفس الفترة، لكنها لا تزال المصدر الأكبر للكهرباء. وفي معظم الأسواق الناشئة، يبدو أن الفحم سيحتفظ بموقعه كمصدر رئيسي للطاقة لعقد مقبل على الأقل، بحكم كلفته المنخفضة وسرعة نشره مقارنة بالبدائل.
هذه الأسواق أصغر بكثير من الصين أو الهند، لكنها قد تصبح طوق نجاة لمصدّري الفحم الذين لم يعد بوسعهم الانتقاء. فمع تراجع الطلب في الاقتصادات الكبرى، قد يكون البحث أبعد هو الخيار الوحيد المتاح للنمو.
* كاتب متخصص في التحول العالمي
في مجال الطاقة (رويترز)
في عام شهد تحولات عميقة، حققت الصين إنجازات قياسية في إنتاج الكهرباء وصادرات تكنولوجيا الطاقة النظيفة، في حين تراجعت وارداتها من الغاز الطبيعي المسال والفحم، وارتفعت واردات النفط الخام بشكل طفيف. هذه المعطيات تكشف عن ديناميكية فريدة لأكبر منتج ومستهلك للطاقة الكهربائية في العالم.
وانخفضت واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال والفحم بشكل كبير خلال 2025، وهو ما يعكس تحولاً استراتيجياً نحو منظومة كهربائية أنظف وأقل اعتماداً على الوقود الأحفوري.
وبلغ إجمالي واردات الغاز الطبيعي المسال 66.6 مليون طن متري، بانخفاض قدره 11.6 مليون طن أو 15% عن 2024، ليسجل أدنى مستوى سنوي منذ 2022، وفقاً لبيانات شركة «كيبلر» للمعلومات السلعية.
جاء هذا التراجع نتيجة تباطؤ النشاط الصناعي في ظل ركود تصنيعي مستمر. لكن على الرغم من ذلك، عززت محطات الطاقة الصينية إنتاج الكهرباء من الغاز بنسبة 5% لتحقق رقماً قياسياً جديداً، ما يؤكد استمرار الطلب الإجمالي على الغاز الطبيعي على الرغم من تراجع الواردات المسالة.
وبخصوص واردات الفحم الحراري المستخدم في محطات الطاقة، فقد تراجعت بنسبة 11% أو بمقدار 40 مليون طن متري لتصل إلى نحو 308 ملايين طن، وهو أدنى مستوى سنوي منذ 2022. يأتي ذلك في إطار سعي شركات الطاقة إلى تقليل استخدام الفحم، بينما تعمل بكين على دعم قطاع تعدين الفحم المحلي عبر إدارة التخفيض التدريجي لاستخدامه.
وبينما تقلصت شهية الصين للفحم والغاز، واصل إنتاج الكهرباء النظيفة المحلي ارتفاعه المطرد، إذ بلغت إمدادات الكهرباء النظيفة 4326 تيراواط ساعة في 2025، بزيادة 15.4% عن العام السابق، وفقاً لمركز الأبحاث «إمبر». وكانت الطاقة الشمسية، التي قفزت بنسبة 43%، وطاقة الرياح، التي توسعت بنسبة 14%، المحركين الرئيسيين لهذا الصعود المبهر. ومع استمرار عمل القطاع الصناعي الضخم من دون طاقته القصوى بسبب ضعف الطلب المحلي والدولي، تمكنت شركات الطاقة من خفض التوليد من الفحم مع رفع الإمدادات الكهربائية الإجمالية.
وارتفع إجمالي إنتاج الكهرباء بنسبة 5% ليصل إلى رقم قياسي بلغ 10421 تيراواط ساعة، وهو العام السابع على التوالي الذي يتوسع فيه إنتاج الصين الكهربائي بنسبة 4% على الأقل.
ومن المتوقع استمرار نشر أنظمة الطاقة الشمسية والرياح وتخزين البطاريات محلية الصنع خلال 2026، ما يدعم زخم إنتاج الطاقة النظيفة في السنوات المقبلة.
وبعد انخفاض نادر في واردات النفط الخام عام 2024، عادت مشتريات الصين للارتفاع في 2025، مدحضة التوقعات بدخول وارداتها النفطية في تراجع دائم. ليبلغ إجمالي واردات النفط الخام 3.75 مليار برميل، بزيادة 43 مليون برميل أو 1.1% عن العام السابق. وفي ظل ثبات الطلب على المنتجات المكررة، استُخدم معظم النفط المستورد لتجديد المخزونات التي تنظر إليها بكين كحاجز أساسي ضد المخاطر الجيوسياسية العالمية المتصاعدة.
في غضون ذلك، من المتوقع أن تحافظ الصين على وتيرة صادراتها القوية من السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين البطاريات ومكونات الألواح الشمسية في عام 2026 وما بعده.
ونتيجة لذلك، ارتفعت صادرات الصين الإجمالية من التقنيات النظيفة إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، حيث زادت بأكثر من 20% في عام 2025 وحده لتصل إلى نحو 222 مليار دولار.