يعمد الخطاط في أعماله إلى مزج الخطوط العربية، لتأدية المعنى الذي تحمله اللوحة، فلكل خط رسم يعبر عن مقامه، فالحدة والدقة في الكوفي تعبران عن الثبات، في حين يفيض الثلث الجلي بانسياب روحاني يلامس القلب، هذا التزاوج بين الخطوط يستثمر اللغة البصرية للحرف لتخدم المعنى الروحي.
اللوحة الخطية التي بين أيدينا، وهي للفنان روضان بهية، تقدم لنا تحفة بصرية تنسج حواراً بين الدقة الهندسية للخط الكوفي والانسياب الروحي لخط الثلث الجلي، النص المختار من الحديث النبوي الشريف «اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عني».

رمزية


يقوم البناء الفني للوحة على تكوين بصري مدروس يتخذ هيئة قوس يحتضن النص في مركزه، فيوحي بالاحتواء والسمو معاً، يتدرج الفنان بهية في توزيع العناصر بما يوجه عين المشاهد نحو مركز المعنى، حيث تتلاقى الخطوط وتتناغم المساحات في وحدة متماسكة، وفي أعلى القوس يتجلى لفظ الجلالة «اللهم» مكتوباً بالخط الكوفي، ذلك الخط المعروف بطابعه الهندسي القائم على الاستقامة والزوايا الحادة، ليمنح التكوين تماسكاً أقرب إلى بنية العمارة البصرية التي تعانق الروح بالعقل، وتشي بعظمة النداء الموجّه إلى الخالق جل وعلا.
يمتد نص الدعاء داخل شريط أخضر منحن في أسفل اللوحة، يتخذ شكل الهلال، وقد كتبه الفنان بخط الثلث الجلي بامتداداته الرشيقة وتشابكاته المتناغمة التي تفيض حركة وحياة، في إحساس بصري ينتقل بين صرامة الكوفي في الأعلى وانسيابية الثلث في الأسفل، فينشأ من هذا التباين إيقاع متناغم يجمع بين الثبات والانسياب، وهو ذات المعنى الذي يجمع فيه الدعاء بين الخشوع والرجاء، فتقع عين المتأمل على تكوين بصري تتقوس فيه الحروف في انحناءات رقيقة تحاكي امتداد اليدين في الطلب والتضرع، فتصبح اللوحة كلها انعكاساً بصرياً لمعنى العفو والرحمة، بذلك تتحقق في العمل رحابة روحية توازي اتساع الفضاء الكوني، وهو توازن جوهري في جماليات الخط العربي وروحه التعبيرية.

زخرفة


اختيار اللون الأخضر للخلفية التي يحتضنها النص جاء منسجماً مع الثقافة الإسلامية، فالأخضر لون يرتبط بالسكينة والطمأنينة، كما يحيل إلى رمزية الجنة والرحمة الإلهية، لذلك يبدو النص بلونه الأبيض فوق هذه المساحة الخضراء وكأنه إشراق نوراني يطفو في فضاء من السكينة والهدوء، مع خلفية جاءت بلون ترابي فاتح مزخرف بنقوش خفيفة، يحاكي صفحات المخطوطات القديمة، في تباين لوني يقترب من المعنى السامي للدعاء.
تحيط باللوحة زخرفة نباتية مستلهمة من تقاليد الأرابيسك الإسلامية، حيث تتكرر الأزهار الصغيرة والأوراق في الإطار برشاقة وتوازن، كإطار بصري يحدد فضاء العمل ويمنح النص نقطة مركزية، كما تظهر في أعلى اللوحة زخرفتان تشبهان النجوم الهندسية، وهو عنصر مألوف في الزخرفة الإسلامية، والذي يرمز عادة إلى التناسق الكوني، ووجود هذه الزخرفة فوق النص عزز الإحساس بأن اللوحة جزء من تقليد فني ممتد من المخطوطات والمساجد على مدى الحضارة الإسلامية.

سيرة


ولد الدكتور روضان بهية عام 1952، ويعرف فنياً باسم «روضان»، حصل على شهادة الدكتوراه في التصميم الطباعي من كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 1998 بتقدير امتياز، ونال مرتبة الأستاذية عام 2004. يعمل في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بجامعة بغداد – كلية الفنون الجميلة منذ عام 1990، وتولى خلال مسيرته الأكاديمية رئاسة قسم الخط العربي والزخرفة، وكذلك قسم التصميم لسنوات عديدة، ويشغل منصب رئيس جمعية الخطاطين العراقيين.