علي قباجة

تشهد الخريطة السياسية الدولية تحولات عميقة تعيد رسم ملامح النفوذ العالمي، إذ تتبنى الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب نهجاً يقوم على مبدأ «الحسم الاستراتيجي» وإعادة تأكيد الهيمنة العالمية.
لم تعد التصريحات الأمريكية مجرد مناورات دبلوماسية عابرة، بل باتت تعكس رؤية ترى في «القوة القصوى» وسيلة وحيدة لتثبيت الاستقرار وفق المنظور الأمريكي، وهو ما تجلّى بوضوح في التعامل مع ملفات شائكة بدءاً من فنزويلا التي خضعت لضغوط غير مسبوقة واختطاف رئيسها، وتهديد كوبا وصولاً إلى الحرب مع إيران.
اليوم، تبرز كوبا كحلقة جديدة ومحورية في هذا المسار، فتصريحات ترامب بأن «كوبا في وضع سيئ للغاية»، وأن هناك «تحركاً وشيكاً»، تضع أمريكا اللاتينية بأكملها أمام استحقاق سياسي كبير ومفصلي.
هذا التوجه الذي يجد صدى واسعاً لدى صقور الإدارة، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، يشير إلى رغبة واشنطن الأكيدة في إغلاق ملفات «الحديقة الخلفية» نهائياً، ودمج هذه المناطق ضمن الدائرة الاقتصادية والسياسية الأمريكية، مستندة إلى حالة الإنهاك التي يعيشها الاقتصاد الكوبي تحت ضغط الحصار النفطي والضغوط الهيكلية المتزايدة.
هذه التحركات ليست مجرد ردود أفعال ارتجالية تفرضها اللحظة، بل هي جزء أصيل من استراتيجية «القطب الأوحد» التي تسعى واشنطن من خلالها للحفاظ على تفوقها المطلق في مواجهة القوى الكبرى الصاعدة كالصين وروسيا، حيث إن صراعاتها الحالية جزء من استعراض قوة وتقليص نفوذ هاتين الدولتين المنافستين. فالصين وروسيا صرّحتا علانية برغبتهما في صياغة عالم «متعدد الأقطاب»، وهو ما تعتبره واشنطن تحدياً وجودياً لمصالحها الحيوية.
في المقابل، تبرز قضية «مقاومة الواقع»، فالرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل أكد أن التهديدات الخارجية ستواجه ب«مقاومة منيعة».
هذا الانقسام الحاد بين إرادة التغيير الأمريكية وإصرار هافانا على خياراتها السياسية يضع المنطقة على صفيح ساخن، ويثبت أن فرض الإرادة السياسية لا يمر دائماً عبر القنوات السهلة. لكن أياً كانت المخططات الأمريكية، سواء في أمريكا اللاتينية أو خارجها، فإنها تسير على حد رفيع، والانزلاق عنه بخطوات غير محسوبة قد يقود إلى تدخل دول كبرى، ما يجعل نطاق الصراع يخرج عما هو مرسوم له.
الخطورة الحقيقية في هذا المشهد المعقد تكمن في تضاؤل مساحات المناورة الدبلوماسية أمام لغة التهديد والوعيد. ففي ظل تسارع الأحداث من حوض الكاريبي وصولاً إلى بؤر الصراع في الشرق الأوسط، يُخشى من أن يؤدي «تراكم الأزمات» المفتوحة إلى صدام كوني غير محسوب العواقب. وفي عالم مدجج بالترسانات الحربية التي تتوفر فيها الأسلحة النووية كخيار ردع أخير، يصبح أي خطأ في الحسابات الاستراتيجية بمثابة شرارة قد تشعل حرباً عالمية شاملة لا رابح فيها، حيث سيكون السلاح النووي، للأسف، أول الحاضرين في أي مواجهة كبرى تخرج عن الأطر التقليدية المتعارف عليها.

[email protected]