حصة سيف

يأتي يوم الأم كل عام، لا ليذكّرنا بالأم فقط، بل ليوقظ فينا إدراك النعم التي نعيشها يومياً دون أن نلتفت لها. فوجود الأم في البيت ليس أمراً اعتيادياً، بل بركة حقيقية تتجلى في تفاصيل الحياة؛ في الطمأنينة، في الاستقرار، وفي ذلك الشعور العميق بالأمان الذي لا يمكن تفسيره بالكلمات.
الأمهات لم يكنّ يوماً مجرد جزء من المشهد اليومي، بل هنّ أساسه. فهنّ بركات البيوت، وسبب توازنها، وركيزتها الأولى. وقد عبّر صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عن هذا الدور حين قال: «الأم صمام الأمان في أسرتها ومصدر قوة لوطنها ومجتمعها، خاصة في وقت التحدي». فالأم التي تزرع الثقة والطمأنينة في نفوس أبنائها وقت الشدة، هي التي تستقيم بها الحياة ويقوى بها المجتمع.
ومن هنا، جاء توجيه سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، بتحويل المسمى من «ربة منزل» إلى «صانعة أجيال»، لا كتغيير لغوي، بل كتوصيف دقيق في مكانه، يعكس حقيقة الدور الذي تقوم به الأم، والذي يتجاوز حدود المنزل إلى صناعة الإنسان ذاته.
ولعل إعادة توصيف الأم بـ«صانعة أجيال» تمثل خطوة مهمة في ترسيخ الوعي المجتمعي بقيمتها الحقيقية، ليس فقط داخل الأسرة، بل كركيزة أساسية في بناء المجتمع واستقراره على المدى البعيد. ويزداد هذا الدور أهمية في ظل التحديات اليومية التي تواجهها، خاصة مع تسارع وتداخل عوامل التنشئة الاجتماعية، ودخول التكنولوجيا إلى حياة الأبناء من أوسع أبوابها.
فلم تعد مهمة الأم مقتصرة على الرعاية التقليدية، بل أصبحت أكثر تعقيداً، تتطلب وعياً عالياً وقدرة على التوازن بين الحزم والاحتواء، وبين التوجيه والمتابعة. فالطفل اليوم يعيش في عالم مفتوح، مملوء بالمؤثرات، ما يجعل مسؤولية الأم مضاعفة في حماية وعيه، وتشكيل شخصيته، والحفاظ على صحته النفسية والجسدية.
ورغم ما تتحمله الأم من ضغوط وتحديات يومية، وما قد تواجهه من صعوبات في التعامل مع سلوكيات الأبناء وتقلباتهم، إلا أنها تستمر بثبات، مدفوعة بحبها العميق وإيمانها بدورها، لتكون الحصن الأول، والداعم الأقوى، والمرجع الذي يُبنى عليه توازن الأبناء واستقرارهم.
الأم المطمئنة، الصابرة، الصادقة في وطنيتها، تبذل جهدها لترى الراحة والسكينة في عيون أبنائها. فهنّ صانعات أجيال يُعتمد عليهن في تماسك المجتمع وتراحمه وتواده، ومهما مرّت به التحديات، يبقى قوياً بأبنائه، أنقى بقيمه، وأجمل بروحه الاجتماعية والوطنية.
ليست الأم مجرد دور في الحياة، بل هي الحياة حين تُبنى من جذورها الصحيحة، وهي الوطن حين يبدأ من قلب بيتٍ جعل أساسه تقوى الله تعالى، وتمكّن من بناء جيلٍ واعٍ، ثابتٍ في قيمه، ممتدٍ في عطائه.

[email protected]