بعد موجة الأمطار والحالة الجوية التي شهدتها المنطقة، اكتست كثير من مناطق دولتنا باللون الأخضر، خاصة الجبال والسهول المحيطة بها، لتتحول إلى لوحات طبيعية نابضة بالحياة. واحتضنت بعض المواقع مشاهد خلّابة، لا سيما تلك التي جمعت بين الزراعة والجبال والأودية الممتدة على مسافات طويلة، وتنتهي أحياناً ببحيرات وشلّالات تستقطب الأهالي والسياح، وتمنحهم تجربة تعكس جمال الطبيعة وتنوعها في دولة الإمارات، وتفتح المجال أمام الزوار لاكتشاف تفاصيل بيئية غنية ومتجددة تعزز ارتباط الإنسان بالمكان، وتسهم في تعزيز الصحة النفسية، وتمنح الزائر مساحة للهدوء واستعادة التوازن بعيداً من ضغوط الحياة اليومية.
وهنا يبرز دور الزائرين لتلك المناطق في المحافظة على نظافتها، وعدم ترك المخلفات خلفهم، مع أهمية نشر الوعي البيئي، بما يسهم في الحفاظ على الطبيعة، من دون خدش أو تشويه. فالمسؤولية لا تقتصر على الجهات المعنية، بل تبدأ من الفرد، وتنعكس في سلوكات عفوية، كجمع المخلّفات أو التنبيه على الآخرين، واحترام المكان كما هو من دون الإضرار بمكوناته الطبيعية. كما تعكس هذه السلوكات مفهوم الاستدامة الذي تتبنّاه الدولة، بالحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. وكم هي مشاهد ملهمة حين تبادر بعض الأسر إلى تعليم أبنائها هذه القيم في الميدان، فنرفع لهم القبعة احتراماً؛ إذ إن من يقدّر الأرض ويحافظ عليها يعكس أصالته وقيمه وما تربى عليه من أخلاق رفيعة.
كما يُحسب للجهات المتخصّصة جهودها في تنظيم هذه المواقع، بإرشاد الزوار إلى الطرق السالكة، وتوفير لوحات تعريفية تثري التجربة، وتقدم معلومات تعزز وعي الزائر بطبيعة المكان.
ويُعد مسار شيص في إمارة الشارقة مثالاً مميزاً، حيث المسارات المنظمة، والأفلاج الممتدة من سفوح الجبال إلى المزارع، مع توزيع لافتات غنية بالمعلومات، وكأنك زائر تدخل كتاباً مفتوحاً عن المكان برمّته، تتنقل بين صفحاته بكل سلاسة، وتتعرف إلى تفاصيله الطبيعية والبيئية في تجربة تجمع بين المتعة والمعرفة، وتعكس جودة التنظيم وأثره في رفع مستوى السياحة الداخلية.
ومن المهم كذلك الالتزام بالنظام في المناطق الجبلية، خاصة التي تضم الأودية والشلالات، واختيار المواقف المناسبة للمركبات، وعدم عرقلة الطرق، لا سيما في أوقات الذروة، بما يضمن السلامة، ويمنح الجميع فرصة الاستمتاع دون إرباك أو ازدحام.
ورغم التحديات الإقليمية، تبقى الحياة في دولتنا طبيعية ومستقرة، ويواصل المواطنون والمقيمون والسياح زيارة هذه الوجهات بكل أمان، خاصة بعد الأمطار، في ظل الثقة بحفظ الله تعالى، ثم بيقظة قيادتنا الرشيدة، وجهود جنودنا البواسل في صون أمن الوطن واستقراره، ويبقى الحفاظ على هذا الجمال مسؤولية مستمرة لا ترتبط بموسم، بل بثقافة مجتمع يدرك قيمة ما يملك.

[email protected]