لا تتوقف حركة الفن الإماراتي عن التجديد والابتكار، فهي منذ سنوات تشهد تطوراً مستمراً يمزج بذكاء بين أصالة التراث وحداثة المعاصرة، ومن التجارب الجديرة بالاهتمام في هذا المجال واحدة تمزج بين رسم الحرف والشعر على نحو مبتكر، كما هو في تجربة الخطاط الإماراتي إسماعيل الحوسني.

اللوحة التي أمامنا نفذها الخطاط إسماعيل الحوسني بتوزيع ذكي، حيث يظهر جزؤها السفلي كتاباً مفتوحاً بعنوان «ألف ليلة وليلة» فوقه كتلة سوداء على شكل رأس فتاة من حروف متشابكة ومتداخلة، وكأننا أم نظام من كتلة تنساب فيها الحروف على نحو شعري وكتاب مما يخلق حركة بصرية جذابة.

ومن يدقق في اللوحة أكثر يجد أن حروف الكتلة السوداء تنساب بإيقاعية على شكل انحناءات ناعمة متدفقة وهذا يعطي إحساساً بالحيوية في حين يشير الكتاب في الأسفل إلى استمرار الحكايات كما في «ألف ليلة وليلة» وكأن القصة تتوالد وتستمر في سرد الحكايات (في إشارة لافتة إلى التراث)، ومن جهة ثانية تستمر الحروف في التدفق معززة سرد الحكايات في متوالية فنية وثقافية، وكأننا أمام شهرزاد التي تقص حكاياتها ولكن هنا بأساليب فنية تعزز بنية الحكاية من خلال رسم الحرف، في بناء بصري جاذب، وهذا المعمار الفني يؤكده إسماعيل الحوسني بالانتقال ما بين تشكيل الحرف وسرد الحكاية، هنا، وهذا التناوب الفني إن جاز التعبير، يؤكد على فكرة جوهرية وهي أن الخط العربي ليس مجرد حرف مرسوم على الورق، ولكنه لغة تنبض بالحيوية والجمال، وتختزل في ثناياها ذاكرة من الهوية والتراث الذي يعتد به في بناء معاصر يكشف عن رؤية فنية من جانب إسماعيل الحوسني تتخذ من الحرف منهجاً يعزز الرسالة الثقافية التي يود الفنان أن يبرزها في هذا المنظور الجمالي والبصري والمبدع.

إن كثافة الحرف في الجزء الأعلى من اللوحة، توحي بأن الحرف الذي يتحول إلى شكل إنساني (امرأة) هو مصدر الحكاية، في رمزية موحية تربط بين الكتاب والحكاية، وعند النظر إلى اللوحة، تبدأ العين من الكتاب (ألف ليلة وليلة) ثم تتحرك تدريجياً إلى أعلى حيث تتكاثف الحروف وتتحول إلى شكل حروفي (شعري) وهذا مسار بصري ينقل القارئ من الكتاب إلى الخيال (الحكاية) وكأننا أمام موسيقى بصرية تبدأ من سرد شهرزاد للحكاية التي لا تتوقف بل تتواصل وتتوالد من نفسها، وقد عمد إسماعيل الحوسني في هذه اللوحة إلى إلى التدليل على كثافة الأحداث من خلال كثافة الحروف في الأعلى، في إشارة إلى تواصل السرد بأساليب مختلفة.

بعد رمزي

إن من يتأمل في اللوحة، يتوقف عند أكثر من مستوى، المستوى الأول، له علاقة بالبعد الثقافي وإبراز الهوية العربية من خلال الحرف الذي يستحضر عالم الحكايات كما هو في الكتاب (ألف ليلة وليلة) وهذا بعد أدبي صرف، وهناك بعد أو مستوى فلسفي له صلة بالحرف بوصفه أصلاً لكل خيال أو إبداع، ومن ناحية الفراغ والمساحات في اللوحة التي أمامنا، هناك المساحات الفارغة حول الشكل، هذه المساحة تبرز الكتلة الخطية، وهي مساحة فارغة ملونة بالبيج في خلفية اللوحة، وكأنه الصمت أو التأمل الذي يقابل صوت الحكاية.

تقنية

اعتمد إسماعيل الحوسني في هذه اللوحة، تقنية تبرز ذلك التباين القوي والواضح بين الكتلة الخطية باللون الأسود التي تستند إلى خلفية دافئة، وهنا، تبرز قوة الخط أو الحرف الذي ظهر من خلال سماكات مختلفة، وهذا يمنح اللوحة عمقاً رغم عفوية بناء الحرف الذي ظهر متناسقاً وأسهم في توازن اللوحة بين شقيها الأسفل والأعلى، كما منح المشاهد فرصة تتبع الحكاية في مستويين بارزين من خلال ما يتضمنه عنوان الكتاب وهو الحكاية ومن خلال الرسم ببعده البصري الملحوظ في الرسم. وخلاصة القول، فلقد مثلت هذه اللوحة ذاكرة ثقافية مستنبطة من التراث العربي كما هو في الجزء الأسفل من اللوحة كما يشير عنوان الكتاب، وذاكرة بصرية حيث يتحول الحرف إلى كائن حي نابض بالحيوية، يروي ويتنفس ويسرد الحكاية كما يحلو له.