يأتي اليوم العالمي للشعر في 21 آذار/ مارس هذا العام والحرب قائمة على قدم وساق كما يقولون.. حرب الذين أدمنوا الحروب حتى أصبحت بالنسبة لهم استثماراً وعادة، وحرب الذين لا شأن لهم بالحرب، وكل ما فعلوه أنهم استثمروا في السلام، والثقافة بالنسبة إليهم سلوك وقيمة إنتاجية وإنسانية، والحرب أيضاً بالنسبة إلى آخرين استعراض للقوّة وتجريبها وتطبيق كوارثها على الإنسان والحياة، والبعض يستعمل الحرب ذريعة للاستغلال والابتزاز، وقد تكون الحرب شكلاً من أشكال الاقتصاد، ولا تعريف له سوى الاقتصاد الأسود، وقد تكون الحرب هواية أو عادة، وقد تكون مرضاً، والحروب إجمالاً مثل الأوبئة.. الجدري يترك ندوباً جافة ناشفة على وجه الإنسان البشري الجميل، والطاعون يحوّل الكائن الحيّ إلى طين من اللحم والعظم، والحروب كذلك جدري وطاعون..
وضع الأدباء الكبار الكثير من روايات الحرب، بل، حتى الرسّامون الذين هم الأقرب إلى كراهية الموت في اللون والضوء والظل، أصبحوا رسّامي حروب:.. بيكاسو جعل من الجرنيكا مدينة موت.
كل الشعر الذي كُتِبَ عن الحرب لم يوقفها. وكل الروايات التي صوّرت الدم والجريمة والعنف لم توقف الجنرالات عن أحلامهم وغطرستهم المادية الجسدية والمعنوية..
منذ هوميروس إلى محمود درويش لم يستطع الشعراء كبح جماح صنّاع الحروب أو حتى إقناعهم بتأجيل الموت ولو في هدنة صغيرة على شكل قصيدة، ولذلك، فإن أكثر خيبة أمل تعتري الكتّاب تجاه الحروب هي خيبة الشعراء..
يقول الروائي الألماني إلياس كانيتي إنه عثر ذات يوم على جملة لمؤلف مجهول قبل أسبوع واحد من اندلاع الحرب العالمية الثانية مفادها، كما يقول كانيتي: «.. لقد قضي الأمر، لو كنتُ شاعراً حقيقياً، لكان لي أن أمنع الحرب..».
الشاعر لا يستطيع منع حرب عالمية أو حتى قروية، هذا صحيح، لكنه يوثّقها، ويؤرّخ لها، ويضع لها سياقاً أدبياً وثقافياً، ويعمل على وصفها، ويحوّلها من وقائع إلى لغة، وأدب وفن.
يعرف الشعراء أن أسوأ فنون الأدب هي فن الكتابة عن الحرب، وأن الكتابة الأبطأ دائماً هي كتابة الحرب، وأن القصيدة لا يمكن أن توقف معركة، ويعرف الشعراء أن اللغة ليست مسدسات، وأن الجمال ليس قنبلة.
الشعر لا يوقف الحرب، لكنه يشتمها ويوبّخها ويقلّل إلى أدنى حدّ، من أبطالها الكذّابين والمزعومين..
[email protected]
الحرب في يوم الشعر العالمي..
24 مارس 2026 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 مارس 00:10 2026
شارك