لا يتعامل الفنانون الإماراتيون مع البيئة والواقع في لوحاتهم وأعمالهم الفنية عبر نقل الأحداث والوقائع على الأرض كما هي، بل من خلال تأويلها وإظهار الأبعاد المخفية على المشاهد، وذلك من خلال الانفتاح على العصر والتيارات الفنية الحديثة، ما يجعل العمل الفني ينبض بالحياة، ويحتشد بالأفكار في ذات الوقت.

الفنان التشكيلي الإماراتي علي حسن الحوسني هو واحد من أبرز الرسامين الذين تعاملوا مع وقائع الحياة اليومية، وحولها إلى إبداعات جمالية، فهو رسام ومصور فوتوغرافي، وعضو في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ويتميز أسلوبه الفني بالتركيز على الجوانب السردية والذاتية، حيث يعتبر فنه أداة لاستكشاف الهوية وأرشفة الحياة، وتوسع الحوسني في هذا الاتجاه من خلال أدوات أخرى غير الرسم والجرافيتي، ليشمل ذلك الجهد وسائط مثل الفيديو والصوت والنحت، وأحياناً تلتقي كل هذه الإبداعات في فضاء عمل فني واحد، فالرسم بالنسبة للحوسني هو وسيلة لتعميق إحساسه بالواقع وزيادة الثقة بالنفس، ويعتبره ملاذاً يصوغه الخيال.
ومن أبرز هذه اللوحات والأعمال التي تشير إلى براعة الحوسني وتعكس اهتماماته بالمجتمع والحياة، لوحة بديعة هي بمثابة مزيج لافت يجمع بين البورتريه والمناظر الطبيعية، حيث يبرز فيها أسلوبه الذي يجمع بين الواقعية واللمسات التأثيرية، وهي لوحة تنتمي إلى أسلوب وفكر الفنان الذي يسعى إلى تجسيد تفاصيل يوميات البشر في بيئة معينة ورصد الواقع بتفاصيله المختلفة بقوة الالتقاط، بشكل يبرز تطور الأدوات الفنية لدى الحوسني الذي يؤمن بالاستمرارية والبحث عن الجديد باعتبار أن ذلك هو أساس الإبداع الفني، وهو ما يبدو واضحاً في هذه اللوحة التي تجمع بين أساليب مختلفة ووقائع متنوعة تشعرك بتنوع الحياة نفسها.

تفاصيل


يظهر في مقدمة اللوحة رجل يرتدي زياً إماراتياً تقليدياً «كندورة وغترة بيضاء»، ملامحه هادئة وتوحي بالوقار، وكأنه شاهد على المكان والزمان، بينما استلهم الفنان الخلفية من الطبيعة، حيث تظهر الجبال الداكنة وانعكاساتها على مسطح مائي، مع وجود جرم سماوي «شمس أو نجمة»، يشع في الأفق، ما يضفي طابعاً روحانياً على اللوحة، وتضح براعة الفنان في التعامل اللوني مع مشهد اللوحة، حيث اعتمد على ضربات فرشاة قصيرة ومتجاورة تُشبه أسلوب «البيكسل»، مستخدماً درجات الأزرق والبنفسجي مع لمحات من البرتقالي والذهبي لتمثيل الضوء، ما يخلق حيوية بصرية كبيرة تمنح المشاهد رؤية عامرة بالجمال والسكينة والعلاقة بين البشر والأرض التي يقطنونها، حيث إن اللوحة تعبر عن الارتباط العميق بين الإنسان الإماراتي وبيئته، والاعتزاز بالهوية في ظل المتغيرات.
الإنسان والمكان هما العنوان العريض لهذه اللوحة، وهما الجدلية التي عمل الفنان على أن يبرزها ليس عبر فلسفة اللون والشخوص فقط، بل وكذلك الرموز والإشارات، بحيث تقدم اللوحة رؤية بصرية معاصرة تدمج بين الذاكرة الفردية والموروث الجماعي، فهي ليست مجرد «بورتريه» لشخصية بملامح وقورة، بل كذلك تحمل ملامح رحلة تأملية في «جوهر الهوية» التي تتشكل من طين الأرض وزرقة السماء، وهو الأمر الذي عمل الفنان على تعميقه من خلال جملة من الأبعاد الجمالية، خاصة ذلك التناغم بين الكتلة والضوء من الناحية البصرية.
ولعل هذه الأسلوبية للحوسني في اللوحة تمنح السماء حركية مستمرة، وكأنها فضاء يتنفس، وفي المقابل تبرز الكتلة الصخرية للجبال في منتصف اللوحة بلون داكن يوحي بالصلابة والثبات، وهو ما يخلق توازناً بصرياً مع سيولة المياه وانعكاسات الضوء عليها في الجزء السفلي. أما النجم المشع، أو الشمس المستترة، في الأفق، فهي بمثابة علامة تمثل نقطة الارتكاز البؤرية التي تمنح العمل بعداً درامياً، حيث ينبثق منه الضوء ليتخلل الغيوم وينعكس بلمسات ذهبية على المسطح المائي، معززاً الشعور بالأمل والحياة.