في خضم ضجيج الأزمات، هناك دائماً بصيص أمل. مشهد بيوتنا اليوم، قد لا يشبه المدرسة في شيء، منزل لم يخلق ليكون فصولاً دراسية، وغرفة ضيوف أصبحت برتبة غرفة اجتماعات لتتقاطع الأصوات كخيوط متشابكة: طفل ينادي «ماء»، وآخر يبحث عن قلم، وأب يطارد الصمت ليحتمي به في اجتماع لا ينتظر، وأمٌ تتنقل بين مهام العمل والمهام المنزلية. ضجيج يتكاثر، وفوضى تتكئ على الأعصاب، حتى يبدو المشهد كأنه كابوس يومي بلا فواصل.
لكن.. خذ نفساً عميقاً، ودعنا ننظر معاً إلى الكأس من ناحية امتلائه.
في قلب هذا الاضطراب، بدأت أشياء صامتة تتكلم. مشاعر كانت تسكن الزوايا المعتمة في أرواحنا خرجت إلى الضوء، كأن الضجيج كان المفتاح لا العائق. تعرفنا على أبنائنا لا كطلاب عابرين في يوم مزدحم، بل ككائنات كاملة، لها قلقها الصغير، وحماسها المفاجئ، وانكساراتها التي كانت تختبئ خلف جدران المدرسة.
غرفة الجلوس، أصبحت تحمل في أحد أطرافها ديكوراً جديداً: مكتب وكرسي، لا يزينان المكان بقدر ما يوثقان محاولات الإجابة، وتنهدات الفشل، وابتسامات صغيرة تُولد من إنجاز بسيط. هناك، لم تعد الضحكات حكراً على المدرسة، بل صارت ملكاً لنا، نسمعها، ونفهم أسبابها، ونشارك فيها.
اكتشف البعض أن الخط الرديء لم يكن قدراً، بل عادة صغيرة في طريقة إمساك القلم بطريقة خاطئة. وعرف آخرون أن الحصص التي يهرب منها الأبناء ليست عبثاً، بل مرآة لمشاعر لم يُسألوا عنها يوماً. اقتربنا من المعلمات، لا كأسماء في جدول، بل كوجوه إنسانية، تحمل صبراً خفياً، ورسائل لا تصل دائماً.
تحت هذا الضجيج، كانت هناك لحظة قرب خفية، تنمو بهدوء. كأن الفوضى كانت ستاراً لشيء أعمق: عائلة تعيد اكتشاف نفسها، وأبناء يعرّفون آباءهم على عوالمهم الصغيرة، دون وساطة.
ولدت الدراسة عن بُعد من رحم أزمة هي الثانية في عصرنا بعد محنة جائحة «كورونا»، دعونا نأخذ نهج الدولة في كل بيت من بيوتنا، دعوا كل محنة تتحول لتحدٍّ يُكلل بالنجاح، دعونا نمد جسراً لم يكن يوماً أسهل مما هو اليوم، وإن لم تلتحقوا بالركب كما ينبغي بعد، فابدؤوا اليوم بالاستمتاع في هذه الرحلة، ففي عصر السرعة يكون اقتناص هذه اللحظات هو الرفاه الحقيقي الذي لا يُشترى. فهنا، يكبر ما كان يُؤجل دائماً إلى «وقت مناسب» لا يأتي. لا تبحثوا عن الكمال، بل عن دفء في لحظة ناقصة، عن نظرة فهم عابرة، عن ابتسامة تُقال دون صوت. فالعمر لا يُقاس بعدد الأيام التي مرت، بل بعدد اللحظات التي شعرنا فيها أننا كنا معاً.. حقاً معاً.
آخر الكلام
حكاية بيت مزدحم
25 مارس 2026 00:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 مارس 00:10 2026
شارك