عائشة عبدالله تريم

في الوقت الذي تواصل فيه حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة وشعبها الصمود بثبات ومواصلة مسيرة الحياة والازدهار في ظل الحرب الدائرة، نجد أنفسنا أمام معضلة من نوعٍ مختلف، معضلة ليست جديدة في جوهرها، لكنها تكتسب طابعاً استثنائياً في هذه الظروف، إذ نُجبر على الدفاع عن أنفسنا، ليس فقط في مواجهة التهديدات العسكرية، بل كذلك أمام سيلٍ متواصل من الخطاب الإعلامي الغربي الذي لم يتورّع عن توظيف سرديات هجومية تطعن في منجزات الدولة، بل وتتقاطع أحياناً مع مظاهر التشفي في أزماتها.
في عام 2012، وكنت آنذاك في بدايات مسيرتي المهنية كرئيسة تحرير صحيفة «جلف توداي» الإماراتية، كتبت مقالاً بعنوان «رسالة مفتوحة إلى صحيفة الغارديان»، وذلك رداً على افتتاحية نشرتها حول ما وصفته ب«انهيار دبي». كان الدافع آنذاك حالة من الاستياء إزاء الطرح الذي غلبت عليه الأحكام المسبقة، واستند في كثير من جوانبه إلى آراء تفتقر إلى التأصيل الوقائعي والسياق الموضوعي. كما كان من المؤسف أن تنزلق مؤسسات إعلامية مرموقة، لطالما شكلت مرجعاً مهنياً، إلى معالجات أقرب إلى الإثارة الصحفية، في تناولها لتجربة دولة فتية كانت ترسّخ حضورها بثقة على الساحة الدولية. وفي ذلك الوقت، بدأت وسائل الإعلام الغربية تدرك مبكراً أن أي محتوى يرتبط بدبي يحقق معدلات تفاعل مرتفعة، وهو ما أسهم في ترسيخ نمطٍ من التغطية قائم على الجذب أكثر من الدقة.
لقد شكّل ذلك المقال بالنسبة لي تمريناً صعباً في مساءلة خطاب إعلامي صيغ من منظور علوي شامل حمل قدراً من القطعية التي أسست لسابقة غير مهنية، وأتاحت لغيره من المنابر تكرار النهج ذاته. كما ساهم في تكوين صورة مشوهة عن دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي صورة عملت الدولة، على مدى السنوات اللاحقة، على تفكيكها عبر الإنجاز الفعلي والتقدم الملموس. واليوم، لم يعد الإعلام الدولي في موقع المراقب الخارجي فقد وجد لنفسه بالفعل موطئ قدم داخلها. إذ تحتضن دولة الإمارات أكثر من 3000 شركة إعلامية، بما في ذلك مكاتب إقليمية لمؤسسات عالمية كبرى، في انعكاس واضح لبيئة إعلامية تؤمن بالشفافية وتحتضن التعددية ولا تتوجس من المساءلة.
ومن هذا المنطلق، تبدو المفارقة لافتة حين أجد نفسي، بعد ما يقارب خمسة عشر عاماً، أمام خطاب إعلامي يعيد إنتاج الأدوات ذاتها، والمفردات نفسها، والتنبؤات عينها. فرغم التحولات الجذرية التي شهدتها الدولة على مختلف المستويات، لا تزال بعض المعالجات الإعلامية تُقدَّم بالصياغة ذاتها، بما يعكس حالة من الجمود التحليلي وضعف الخيال المهني. وفي هذا التوقيت تحديداً، يتجاوز هذا النمط حدود التكرار ليصبح خطاباً غير مسؤول، يفتقر إلى الحس الإنساني في لحظة تتطلب أعلى درجات المهنية.
لقد كانت دولة الإمارات من بين أكثر الدول استهدافاً في سياق هذه الحرب، حيث تصدت لما يزيد على ألفي صاروخ وطائرة مسيّرة منذ اندلاعها، وهو رقم يفوق ما واجهته العديد من الدول الأخرى المنخرطة في هذا الصراع. ومع ذلك، لم تحظَ هذه الحقائق بما تستحقه من تغطية موضوعية تواكب حجم التحدي، ولا بالاهتمام الذي يعكس الأداء المتقدم لمنظومات الدفاع الجوي الإماراتية. وعلى النقيض، عادت بعض المنصات إلى تبني عناوين ذات طابع كارثي تتنبأ بانهيار اقتصادي وشيك، متجاهلة الجهود الحكومية المكثفة في ضمان سلامة المواطنين والمقيمين، واستمرارية المرافق الحيوية، بما في ذلك تشغيل المجال الجوي رغم الظروف الاستثنائية واتخاذ الإجراءات الاستباقية لدعم البنوك وقطاع الأعمال.
وفي واقع الحال، استمر المجتمع في دولة الإمارات في ممارسة حياته اليومية بدرجة عالية من الثقة والانضباط، مع وعيٍ محسوب بطبيعة المخاطر، وهو واقع لم ينعكس في كثير من التغطيات التي فضّلت سرديات الفوضى والخوف. بل إن بعض المؤسسات الإعلامية مثل قناة «بي بي سي» ذهبت إلى تخصيص موارد واسعة للتحقق من روايات الأفراد حول شعورهم بالأمان، في محاولة لتفنيدها، دون أن تفضي تلك الجهود إلى نتائج حاسمة، ومع ذلك تم المضي في النشر. وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول أولويات التغطية ومعاييرها، في وقتٍ تبدو فيه القيمة الخبرية خاضعة لمنطق التفاعل الرقمي أكثر من الالتزام المهني.
إن دولة الإمارات ليست بمعزل عن تداعيات هذه الحرب، شأنها شأن العديد من الدول، غير أن التركيز الانتقائي على فرضية انهيارها يثير تساؤلاً مشروعاً يتجاوز اللحظة الراهنة إلى سياقٍ أوسع: لماذا تستمر هذه السردية تحديداً في الحضور؟ ولماذا يُعاد إنتاجها رغم تعارضها مع الوقائع؟ ولماذا تُسلّط العدسة المكبرة على هذه التجربة دون غيرها، في حين أن تداعيات الصراع تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره؟
إن ما تشهده المنطقة اليوم سيترك أثره بلا شك، محلياً وعالمياً. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليتنا كصحفيين إماراتيين، ممن عايشوا مسيرة هذا الوطن ورأوا قدرته على تجاوز التحديات وتحويل الأزمات إلى فرص، أن نوجّه دعوة واضحة إلى الإعلام الدولي: إعادة الاعتبار للمعايير المهنية، وتجاوز منطق الإثارة، والعودة إلى جوهر الرسالة الصحفية القائمة على نقل الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يرى.