لم يستغرق الأمر أكثر من شهر حتى تحولت الحرب «الأمريكية–الإسرائيلية» الإيرانية إلى انهيار متدحرج. وما بدأ كصراع محدود سرعان ما تمدد ليصبح عامل اضطراب واسع النطاق، لا يهدد الإقليم فحسب، بل يضع النظام الدولي بأسره تحت ضغط غير مسبوق. وكانت دول الخليج أول من تلقى ضربات الغضب الإيراني غير القانوني وغير المبرر، غضبٌ تجاهل مسارات الدبلوماسية كافة، وانقلب على دول الجوار التي كانت الأكثر إصراراً على التهدئة وخفض التصعيد، لتجد نفسها فجأة في قلب دائرة الاستهداف المباشر بعدوان غاشم واعتداءات سافرة بالصواريخ والمسيرات ليلاً ونهاراً.
تُصرّ إيران على أنها لم تبدأ الحرب، غير أن ذلك لا يشكّل بأي حال إعلاناً ببراءتها أو تبريراً لسلوكها المنفلت. فالتاريخ لا يعترف ببراءة العدوان، ولا يقبل سرديات الضحية حين تتناقض مع الوقائع. لا حرب تنشأ من فراغ، بل من تراكم أخطاء وسوء تقدير، ومن فرص ضائعة، حتى تجد الدول نفسها محاصرة بخيارات محدودة، فتندفع نحو الخيار الأكثر كلفة. وإيران اليوم لا يمكنها أن تطالب العالم بالتعاطف، وهي تتنصل من مسؤولية سياساتها التي أوصلتها إلى هذه اللحظة.
لقد أخفقت الحكومة الإيرانية في إدارة ملف المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، وحشرت نفسها في زاوية ضيقة لا مجال فيها للمناورة. ولم يكن ذلك مجرد تعثر دبلوماسي، بل تعبير عن رؤية سياسية قصيرة الأمد، افتقرت إلى القدرة على قراءة التحولات الكبرى في موازين القوى. فنجاح أي نظام سياسي واستمراريته لا يقاسان بقدرته على التصعيد، بل بقدرته على إدارة الأزمات وتفاديها، ووضع أمن شعبه فوق أي اعتبارات أيديولوجية أو حسابات ضيقة. ومن هذا المنطلق، فإن ما تواجهه إيران اليوم ليس إلا نتيجة مباشرة لفشلها في إدارة ملفها الخارجي بحكمة ومسؤولية.
الحكم الرشيد لا يُقاس بالشعارات، بل بقدرته على تجنب الكوارث قبل وقوعها. وقد أُتيحت لإيران فرص متعددة لتسلك طريقاً دبلوماسياً يضمن أمنها واستقرارها، لكنها أهدرت كل فرصة، واختارت بدلاً من ذلك مسار التصعيد. والنتيجة حرب غير مسبوقة في حدّتها، مفتوحة على احتمالات يصعب احتواؤها، وتتجاوز آثارها حدود الجغرافيا لتطال الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة.
وحين واجهت إيران نتائج هذا الفشل، لم تتراجع، بل اندفعت إلى خطأ أكثر جسامة. ففي عالم تحكمه موازين دقيقة، يصبح ضبط النفس إحدى أقوى أدوات القوة، لا علامة ضعف. غير أن طهران اختارت النقيض تماماً، فوسّعت نطاق عدوانها، ولم تكتفِ باستهداف خصومها المباشرين، بل وجهت ضرباتها نحو دول الخليج التي كانت تسعى إلى التهدئة. وفي الوقت ذاته، سعت إلى تعطيل مضيق هرمز، الشريان التجاري الأهم في العالم، في خطوة نقلت الصراع من إطار إقليمي إلى تهديد مباشر للاستقرار الاقتصادي العالمي. وهنا لم يعد التصعيد مجرد خيار عسكري، بل تحول إلى أداة ضغط وابتزاز تطال العالم بأسره.
وكما يشير الباحث ستيفن إم. والت، فإن الدول لا تستجيب فقط لموازين القوة، بل لطبيعة السلوك والنوايا. وحتى الدول ذات القدرات المحدودة قد تدفع الآخرين إلى الاصطفاف ضدها إذا ما بدت عدوانية بما يكفي. فكيف بدولة بحجم إيران، تمتلك نفوذاً إقليمياً واسعاً؟ لقد كان رد الفعل الدولي حتمياً، لأن التاريخ يثبت أن السلوك الهجومي لا يردع الخصوم، بل يدفعهم إلى التكتل في مواجهته.
وفي غضون أسابيع قليلة، أعادت إيران تشكيل العالم ضدها، فعزلت نفسها، وأحرقت ما تبقى من جسور دبلوماسية، وقلّصت هامش حركتها الاستراتيجية إلى حد كبير. وهي اليوم لا تواجه خصومها التقليديين فحسب، بل تسهم في خلق اصطفاف أوسع، يهدد بتصعيد أكبر. وما يبدو للوهلة الأولى استعراضاً للقوة، قد يكون في جوهره تعبيراً عن مأزق استراتيجي عميق، يقترب في نتائجه من حالة استنزاف ذاتي، بل وربما اندفاع نحو سيناريوهات مدمرة.
غير أن الحروب لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل بما تكشفه من حقائق. فهي تختبر صلابة التحالفات، وتعرّي هشاشتها، وتكشف عمق الالتزامات خلف الخطابات الدبلوماسية. ودول الخليج تقف اليوم أمام لحظة مراجعة حاسمة، لحظة لا تقتصر على مواجهة التهديد، بل تمتد إلى إعادة تقييم علاقاتها وتحالفاتها، وإعادة تموضعها ضمن نظام إقليمي ودولي آخذ في التشكل من جديد.
وفي خضم هذا الاضطراب، تبرز فرصة دبلوماسية نادرة. فإعادة تشكيل التحالفات ليست مجرد نتيجة للحرب، بل أداة لصياغة المستقبل. والمنتصر في مثل هذه اللحظات ليس بالضرورة من يحسم المعركة عسكرياً، بل من يمتلك القدرة على قراءة التحولات بدقة، واتخاذ القرارات الاستراتيجية في التوقيت المناسب.
ولا تقتصر الحروب على كشف الحقائق السياسية، بل تمتد لتعرية ما يعتمل في الشارع. وهذه الحرب ليست استثناءً. فالعالم العربي يعيش حالة اضطراب فكري وسياسي، تتصارع فيها الأيديولوجيات القديمة مع واقع جيوسياسي جديد. ويبرز هنا تطبيق مبسط لنظرية التوازن الاجتماعي لعالم النفس فريتز هايدر، التي تختزلها المقولة الشائعة: “عدو عدوي صديقي”.
وفي هذا السياق، تجد بعض الحكومات العربية وقطاعات من شعوبها صعوبة في إدانة العدوان الإيراني على دول الخليج، انطلاقاً من هذا المنطق المبسط، إذ يُنظر إلى إيران بوصفها خصماً لإسرائيل، وبالتالي حليفاً ضمنياً. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة جوهرية: يمكن لحقيقتين أن تتعايشا في آن واحد. يمكن إدانة سلوك دولتين مختلفتين إذا خالفتا القانون الدولي، دون الوقوع في فخ الاصطفاف الأعمى.
إن العجز عن تبني هذا الموقف المتوازن لا يعكس حياداً، بل يكشف عن خلل في القراءة السياسية. وقد أدى هذا التردد إلى طرح تساؤلات جدية حول دور جامعة الدول العربية، بعد تأخرها وترددها في إدانة هذا العدوان. وهو مشهد يعيد إلى الأذهان انقسامها خلال غزو الكويت عام 1990، حين واجهت المنطقة الاختبار ذاته، وانقسمت تحت وطأة الحسابات نفسها.
واليوم، ومع تكرار هذا المشهد، تبدو دول الخليج أكثر وعياً بخطورة التردد، وأكثر إصراراً على عدم السماح بإعادة إنتاج تلك اللحظة. فالأمن الإقليمي لا يحتمل ازدواجية المعايير، ولا يقبل الغموض في لحظات التهديد الوجودي. وما تفرضه هذه المرحلة ليس فقط موقفاً سياسياً واضحاً، بل إعادة تعريف لمفهوم التضامن نفسه، تضامن يقوم على وضوح الموقف، لا على توازن الحسابات.
في النهاية، الحروب لا تغيّر موازين القوى فحسب، بل تكشف حقيقتها. وهي لا تعيد رسم الخرائط فقط، بل تعيد تعريف العلاقات والتحالفات. وهذه الحرب، بكل تعقيداتها، ليست سوى فصل جديد في إعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي، فصل لن يُحسم فقط في ساحات القتال، بل في العقول التي تدير المرحلة، وفي القرارات التي تُتخذ تحت ضغط اللحظة.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون البقاء للأقوى صوتاً، بل للأكثر وعياً، والأدق حساباً، والأقدر على تحويل الأزمة إلى فرصة.