تعلّمت احترام الوثائق من أساتذتي في قسم التاريخ بآداب جامعة عين شمس المصرية، الذين علموني أنه لا يجوز، بحال من الأحوال، التدخل في الوثيقة بالإضافة أو الحذف أو ترتيب الفقرات والسطور أو التاريخ الذي دوِّن عليها، وكانوا يتشددون في ذلك حتى خِلتُ أنهم يتكلمون عن نصٍّ مقدس.
ثم إنني وجدت تطبيقاً لدروسهم النظرية ولعلم مناهج البحث في أكثر من حالة، أبرزها تعامل عالم العصور الوسطى الفذ الدكتور عزيز سوريال عطية مع الكتب التي حققها، بتوجيه من الأمير المثقف عمر باشا طوسون، حفيد محمد علي باشا الكبير، من ابنه طوسون، وكان أميراً يهتم بالعلم والثقافة والمخطوطات، ومنغمساً في الهموم الوطنية المصرية، حيث لا يعرف كثيرون أنه هو من اقترح على سعد زغلول فكرة تكوين وفد مصري من قادة الحركة الوطنية، للذهاب إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، كي يطالبوا باستقلال مصر، وتنفيذ ما جاء في مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون، وأشرف عمر طوسون على تجهيز أوراق هذه المهمة.
ومن بين المصادر الوثائقية التي حققها عزيز سوريال، جاء كتاب «قوانين الدواوين» الذي كتبه الأسعد بن مماتي، أحد وزراء صلاح الدين الأيوبي، وقد ذكرناه في هذه المساحة، عندما ذكرنا بعضاً من سيرة بهاء الدين قراقوش.
وقد كتب الدكتور سوريال هوامش على متن الكتاب، تكاد تكون ضعف ما في المتن من كلمات، وكلها معلومات وشروح بالغة الأهمية.
والحالة البارزة الثانية التي رأيت فيها التطبيق العملي لقواعد علم مناهج البحث التاريخي والتعامل مع الوثائق، هي مؤلفات الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، العالم الجليل وباعث النهضة العلمية والثقافية العربية، ومنها الوثائق التي احتواها كتابه «حكم قراقوش»، وموسوعاته الوثائقية التي منها مجلدات كتاب «البرتغاليون في بحر عمان»، وهو نموذج علمي بالغ الأهمية في كيفية التعامل مع الوثيقة، ترجمة وصياغة وتسجيلاً.
وهنا، ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإنني تصادف ودخلت في حوار ساخن مع الأستاذ محمد حسنين هيكل، حول التعامل مع الوثائق، حيث تدخّل في وثيقة كتبها الرئيس عبد الناصر ومساعده السيد علي صبري.
وللحديث صلة.