الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا والهوية.. الإشكالية لروسيا

22 أبريل 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 22 أبريل 00:30 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تقع روسيا على خطوط تماس عدة، تتقاطع مع المكونات الأساسية للهُوية الأوروبية. فعلى صعيد الجغرافيا تقع في منطقة التماس مع القلب الأوراسي. وعلى صعيد الدين يسود فيها المذهب الأرثوذكسي، السائد في شرق أوروبا، لكنه مذهب الأقلية في غربها، وفي الولايات المتحدة. وعلى صعيد الجذور الإثنية، يسود العرق السلافي الذي يكاد يرتبط بالمذهب الأرثوذكسي، ويمتد بمحاذاته. أما على صعيد التجربة التاريخية، فقد ولد التشكيل الحضاري الروسي من رحم الثقافة البيزنطية، قلب الإمبراطورية الرومانية الشرقية، فيما خرجت التحولات الكبرى التي صاغت ملامح أوروبا الحديثة من رحم الإمبراطورية الرومانية المقدسة: حركة النهضة، المذهب الإنساني، الإصلاح الديني، حركة الكشوف الجغرافية، عصر التنوير، الثورة الصناعية، والنزعة الكولونيالية.
وهكذا كان مسار التطور الحضاري الأوروبي مغايراً لنظيره في روسيا، التي استمرت أراضيها مسرحاً لحركة الدول المغولية حتى مطلع القرن الخامس عشر، وظلت عاصمتاها التاريخيتان «كيفان روسي» التي صارت عاصمة لأوكرانيا، ثم «موسكوفي» العاصمة الحالية، بمعزل عن تأثيرات الحداثة الأوروبية، فلم تعرفا العلمانية السياسية؛ حيث الفصل بين الدولة والكنيسة، أو الديمقراطية، حيث تسود مفاهيم كالنزعة الفردية، وحكم القانون، والتمثيل البرلماني.
استمر الحال على هذا المنوال حتى كان حكم القيصر المتنور «بطرس الأكبر» (1689-1725)، والذي أدرك من خلال جولة طويلة في ربوع القارة الأوروبية كيف باتت روسيا متخلفة عن أوروبا الغربية، ليشرع بمجرد عودته في عملية تحديث كبرى. وعلى منوال الباشا محمد علي في مصر، كان أول شيء قام به بطرس الأكبر هو تطوير الجيش الروسي، فأنشأ القوات البحرية، وأدخل التجنيد الإجباري، وشيد الصناعات الدفاعية، والمدارس الفنية. كما أرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، خاصة فرنسا، للتعرف على أحدث المعارف الخاصة بالإدارة الحديثة والتصنيع والتسليح، خصوصاً بناء السفن. ولكي ينفق على كل تلك الإصلاحات قام بتطوير النظام الضريبي. وقرب نهاية عهده ترك موسكو وانتقل إلى العاصمة الجديدة «سان بطرسبورغ». وليعلن حضور روسيا الجديد كقوة مهيمنة في بحر البلطيق، شن حرباً ضد السويد. وفي خضم الحروب النابليونية ضد الملكيات الأوروبية كان دور روسيا الدفاعي حاسماً في هزيمة نابليون وانكفائه تالياً.
لم يتوقف الجدل حول هوية روسيا منذ بطرس الأكبر وحتى مطلع القرن العشرين، خصوصاً بين أدبائها الكبار: نيكولاي غوغول، وألكسندر بوشكين، فيودور ديستوفيسكي، وليف تولستوي. فثمة من تحمّس لتحديث روسيا والسير الحثيث على طريق أوروبا ولو اقتضي ذلك التخلي عن الروح الروسية مثل غوغول المتأثر بثقافتـه الفرنسية. وثمة من نادوا بضــرورة استمــرار روحهــا المتميزة، المترعة بالحس الأخلاقي، وإن أبطأ ذلك من مسيرة تحديثها كما تصوّر ديستوفيسكي، وهو ما حدث تقريباً، فظل نظامها السياسي حتى الآن يتسم بملامح آسيوية جلية من قبيل النزعة الاستبدادية، ومركزية القرار وتقديس الحاكم. كما ظل مجتمعها المدني يخلو من التعددية المدنية الحقيقية. في هذا السياق كانت الثورة البلشفية بمثابة هدنة سعيدة لكن مؤقتة لهذا الجدل، إذ حوَّلت روسيا إلى الاتحاد السوفييتي، وجعلت منه قائداً لمعسكر (شرق الغرب)، تتسم علاقته بالمعسكر الأوروـ أمريكي، أي (غرب الغرب)، بالندية الكاملة، رغم أنه قد تأسس على قاعدة أيديولوجيا ماركسية ولدت داخل الغرب نفسه (ألمانيا وإنجلترا)، لكنها وجدت تجسيدها الأبرز في أوروبا الشرقية. هكذا صارت روسيا السوفييتية مختلفة عن الغرب وفي الوقت ذاته نداً له، خصوصاً على الصعيد الفضائي والعسكري، كما على الصعيد الأيديولوجـــي، وتحـــول الجـــدل حـــول مستقبلهــا من ثنائية محلية طرفيها السلافية والتغريب، إلى ثنائية كوكبية طرفيها الشرق والغرب، اليسار واليمين.
عبر هذا التاريخ الطويل لم تكن روسيا القيصرية عدواً مطلقاً لأوروبا الغربية، فلم تحارب سوى السويد، والسلطنة العثمانية في القرم، أما حربها مع فرنسا النابليونية، فكانت دفاعاً عن نفسها وأيضاً الملكيات الأوروبية المحافظة. وهو الدور نفسه الذي لعبه الاتحاد السوفييتي دفاعاً عن الحلفاء ضد دول المحور في الحربين العالميتين. اليوم، نجد أن روسيا الاتحادية قد فقدت الهيلمان السوفييتي والأيديولوجية الشيوعية، ولم تعد قادرة على منازلة القطب الأمريكي، لكنها تظل رغم ذلك قوة إقليمية عظمى، تحتاج إلى علاقات ودية مع دول أوروبا، مثلما تحتاج تلك الدول إلى علاقات ودية معها. ومن ثم فإن الشعور الأوروبي بالخطر الروسي إنما ينطوي على تهويل كبير صنعته الولايات المتحدة، لتدجين القارة العجوز، وفرض بعض الشروط عليها، كزيادة إنفاقها الدفاعي إلى نسب غير مسبوقة، وتخلي بعض دولها عن حيادها التاريخي والانضمام للناتو كالسويد وفنلندا، وبعضها الآخر للعودة إلى سياسة التسلح كألمانيا. إنه الطريق الذي تسير فيه أوروبا الآن للأسف، غير مدركة لقدرتها على الاستغناء عن أمريكا واستراتيجياتها الصراعية. فأوروبا الأسيرة لأمريكا هي أوروبا التابعة، المحكومة بمنطق الحرب الباردة والجغرافيا السياسية، المتورطة في الدفاع عن المركزية الغربية، فإذا ما غيرت نظرتها إلى نفسها، أدركت أنها ليست بحاجة إلى السير خلف أمريكا نحو الصراع مع روسيا بل بحاجة إلى صداقتها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه