هل نسي العرب التحفة الكونداليزيّة «الفوضى الخلاقة»؟ وهل ينسونها فهي التي شرحتها ببنط رسم الخرائط. لا تشغل الفكر طويلاً بمقولة نيكولا ماكيافيلي، التي لها وزنها في التحقيق الجنائي والتحليل السياسي: «إذا لم تعرف الفاعل فابحث عن المستفيد». المشكلة هي أن الوقائع الجسام تُغرق الأفهام في دوامة فينسى المرء اسمه: «وما سُمّيَ الإنسانَ إلّا لِنَسْيهِ.. ولا القلبَ إلّا أنه يتقلبُ».
من يذكر تلك المقولة حين تزلزل الأرض العربية بغزو العراق واحتلاله؟ ينسى الناس حتى أن الثعلب كيسنجر قال ما كان يلوح خيالاً استراتيجياً، ختمه بتنجيم واقعي: «من لا يسمع قرع طبول الحرب فهو أصمّ». في نغمة متناغمة مع المقولة الشهيرة التي تحدّثت عن «تداعي أحجار الدومينو». بعد وادي الرافدين رأينا ما جرى لليبيا ثم سوريا. ولكن حسن الظن بالأيام كان يجعل الفؤاد يُكذّب ما يرى. مراراً كرّر القلم في هذا العمود أن المنطق سيقتلنا. في كل مرة تبدو الأمور منطقيةً بالدلائل والبراهين، حتى حين يكون التوثيق زجاجة أسلحة دمار شامل، بيولوجية، في مجلس الأمن. تخيل لو وقعت من يد الرجل فانفتح الغطاء. كان يمكن أن يصير مجلس الأمن مجلس الخطر على نيويورك كلها.
المطلوب ليس معجزة. السؤال: هل الأحداث مترابطة منذ ما قبل مقولة «رايس»؟ كان العرب منذ عهد بعيد ينظرون إلى أنفسهم كوحدات متفرقة، في حين تراهم الفكوك المفترسة كتلةً واحدةً. كانوا ولا يزالون يسمونهم العالم العربي، ولكن عندما آن أوان رفع شعار«تغيير خريطة الشرق الأوسط»، ألغوا من الحسابات المغرب العربي أو بالأحرى تركوه لأجل يحدد موعده في ما بعد.
تلك السيناريوهات يجب ألّا تغيب عن الأذهان، حتى ونحن أمام هول العدوان الإيراني الغاشم، على دولة الإمارات وسائر بلدان مجلس التعاون، وهي المنطقة التي كانت ولا تزال الأمل الكبير في تحقيق تنمية عربية متألقة عالمياً. لن تدوم الحرب، لكن العبرة هي تعزيز الصناعات العسكرية، التي لا تدع لإيران ولا لغيرها، جرأةً على العدوان، فلا يفلّ الحديد إلّا الحديد.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحذرية: أمر مهمّ يجب مراقبته، متتاليات الفوضى الخلاقة.

[email protected]