من تقاليد المجتمع القديمة التي عرفها الأجداد والآباء، أن يتعامل أهل المنطقة الواحدة أو الحيّ الواحد، وفق «الفزعة» التي لم تسنّها أي قوانين دستورية، بل اكتسبها الناس وتوارثوها بعفوية وتلقائية؛ حيث كنت تجد الجميع يهبّون للنجدة، أو المساعدة في السرّاء والضرّاء، ومن دون انتظار أن يطلب أحد منهم ذلك. وقتها كانت الفزعة من أصول العيش واللياقة وحسن الجيرة، وكان الكل يتطوعون عن طيب خاطر وبلا أي تردد.
من طبيعة الحياة أن تفرض علينا التغيرات والتقلبات في أحوال الناس والمجتمعات؛ ومع التطور وتغير نمط العيش وانتشار موجة الانغلاق على الذات، وقلة التواصل المباشر بين الجيران وأبناء الحيّ الواحد، تراجعت الفزعة، وربما لا يعرف هذه الكلمة ومعناها بعض من الأجيال الجديدة، أغلبية الناس يقفلون أبوابهم، ويعيشون داخل فقاعة التواصل الرقمي؛ هنا تأتي مبادرة «الشرطي جارك» لتحثّ الجميع على التعاون، فيحصل إحياء مفهوم التطوع والعون والمساعدة تلقائياً داخل المجتمع.
«الشرطي جارك» إحدى مبادرات الشرطة المجتمعية في دبي، والهدف منها خلق مساحات وفرص متنوعة، لتوثيق التواصل بين الشرطة وأفراد المجتمع، يداً بيد يتعاون المدنيون مع الشرطة، سواء لدعم الأمن والاستقرار والحفاظ على الأمان، أو للحفاظ على سلامة المجتمع كما حصل حديثاً، حيث أسهم المتطوعون في سحب المياه خلال موجة المنخفض الجوي التي شهدتها الدولة. كما ساعدوا أصحاب المركبات المعطلة في الشوارع وقاموا بجمع لوحات المركبات المفقودة.
الخدمة الاجتماعية يمكن أن تأخذ أشكالاً عدة، وتجتمع في طبيعتها الإيجابية وانعكاساتها المباشرة على الأفراد وعلى المجتمع. حيث تنمي في كل إنسان روح التعاون، تعيد مفهوم الفزعة، فيعود مبدأ التضامن والتعاون العفوي والتلقائي بين الناس من جهة، وبينهم وبين المؤسسات الحكومية من جهة أخرى. كما تعلم الأطفال والأجيال الجديدة أهمية التطوع والانخراط في فعل الخير، ومساعدة الآخرين قدر المستطاع، ومن دون انتظار أي مقابل، ما ينعكس على طبيعة الحياة في المجتمع، ويشعر الجميع بأنهم جزء أساسي وفاعل ومؤثر فيه، من دون تمييز بين كبير وصغير، ولا تمييز بين الجنسيات والأعراق والهُوية.
الكل واحد، إحساس لا تنّميه كل الدول في مجتمعاتها، بل هناك دول يتخاذل فيها أبناؤها عن فعل أي عمل، يسهم في تحسين المجتمع والبيئة المحيطة بهم، يلقون كل المسؤولية على الدولة والجهات الرسمية، ويكتفون بالتفرّج والتذمّر، فيزيدون المجتمع تدنياً، ويثقلون الأعباء على دولتهم.. بلا إدراك ووعي بعواقب ذلك.
عودة «الفزعة»
31 مارس 2026 01:24 صباحًا
|
آخر تحديث:
31 مارس 01:24 2026
شارك