في كل الحروب، قديماً وحديثاً، هناك رابحون وهناك خاسرون، وفي الحرب الإيرانية التي دخلت شهرها الثاني، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول إلى أزمة عالمية، باتت تؤثر في مجمل الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية، وبات العالم يواجه خللاً كبيراً يتعلق بالربح والخسارة، في ما يتعلق بالطاقة والنقل والاقتصاد والغذاء وخطوط الإمداد.
والصدمة كما يقول الخبير الاقتصادي ديدييه بوروفسكي: «قد تكون شديدة على النمو، لأن تدمير البنى التحتية سيقلّص الإنتاج والصادرات»، ووفقاً لتقرير مركز الإصلاح الأوروبي، فإن الحرب الحالية تعيد تشكيل موازين القوى العالمية، كاشفة عن شبكة معقدة من الرابحين والخاسرين، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية.
ويمكن القول، بناء على ذلك، إن قطاع النقل هو من أبرز الخاسرين، إذ ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد، مع مخاوف من نقص في وقود السفن والطائرات، ما يؤثر سلباً في النقل الجوي وحركة السفر، وفي عمليات الشحن البحري، مع ارتفاع أقساط التأمين وإغلاق مضيق هرمز. كما أن المستهلك هو من بين الخاسرين، مع ارتفاع أسعار الوقود في محطات التعبئة، لا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، إذ بلغ متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة 4.02 دولار، بزيادة أكثر من دولار واحد عن سعره قبل الحرب، في حين سجلت أسعار النفط في أوروبا زيادة بنسبة 60 في المئة، وأسعار الغاز سجلت زيادة بنسبة 70 في المئة.
كما أن المواطن العادي في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية الذي لا ناقة له ولا جمل، سوف يكون من أكبر الخاسرين، لأنه سوف يعاني ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية، ونقص السلع والخدمات وتراجع القدرة الشرائية، وبذلك يكون المستهلك هو الضحية الأبرز.
وفي المقابل فإن روسيا، تعدّ من كبار الرابحين، بفضل زيادة صادراتها من النفط والغاز وتراجع الضغوط عليها، ما يمنحها فرصة لتوسيع نفوذها في أسواق السلع الأساسية، مثل الأسمدة، إلى جانب الاستثمار دعائياً في تشكيكها بأسباب الحرب، وفي الربح المادي لدعم آلتها العسكرية في الحرب.
وتأتي قطاعات الصناعات العسكرية الأمريكية على رأس قائمة الرابحين، لأنها مضطرة إلى زيادة إنتاجها من الصواريخ والطائرات والذخائر، لتلبية احتياجات آلة الحرب الأمريكية، ووفقاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن شركات تصنيع الأسلحة، وافقت على مضاعفة إنتاج الأسلحة أربع مرات، لتعويض المخزونات التي استنزفت في الحرب، ما أدى إلى ارتفاع أسهم هذه الشركات إلى 6 في المئة، أي أرباح تقدر بمليارات الدولار.
أما الصين فهي تواجه على المدى القصير ضغوطاً اقتصادية، نتيجة اضطرابات إمداد الطاقة وارتفاع أسعارها، لكنها تمتلك القدرة على امتصاص الصدمة، بسبب تنوع مصادر الطاقة، وخصوصاً من روسيا، واعتمادها المتزايد على الفحم والطاقة المتجددة.
ولا شك في أن الشعب الإيراني سيدفع الثمن الأكبر لهذه الحرب، مع ارتفاع أعداد الضحايا والدمار الهائل في البنى التحتية والأبنية والمؤسسات، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية، وسط حصار وعقوبات اقتصادية خانقة.
ومن المؤكد أن دول مجلس التعاون الخليجي ترتب عليها فاتورة خسائر كبيرة شملت إلى جانب المعدات العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي التي استخدمتها للدفاع عن نفسها في وجه الاعتداءات الإيرانية الإرهابية، تضرر إنتاجها من النفط والغاز، ومصانعها الاستراتيجية في البتروكيماويات بسبب إغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى الخسائر التي واجهت اقتصاداتها الوطنية.
ومع غياب أفق واضح لنهاية هذه الحرب، فإن المخاطر تتزايد إذا تحولت هذه الحرب من مواجهة محدودة، إلى أزمة ممتدة ومتسعة، يراد منها إعادة تشكيل النظام الدولي بأكمله، وإعادة رسم موازين القوى العالمية.