عمران خالد *

المفاوضات الرفيعة التي جرت في باريس بين وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل مؤشراً إلى مرحلة جديدة في العلاقات عبر الهادئ. فبعد سنوات من خطاب التصعيد، والحرب التجارية، والحديث عن «فكّ الارتباط» الشامل، تميل واشنطن وبكين، وفق هذا التصور، إلى صيغة أكثر براغماتية يمكن وصفها ب«التعاون الموجَّه»: تنافسٌ حاد، نعم، لكن داخل حدودٍ مضبوطة تمنع الانزلاق إلى قطيعة شاملة أو صدام يهدد النظام الاقتصادي العالمي.
وتنبع أهمية هذا التحول من أنه لا يلغي الخلافات العميقة بين الطرفين، بل يعيد إدارتها. وثمة انتقال نسبي من الأدوات الفجّة، مثل التهديد المفتوح بالعقوبات أو الاستخدام الأحادي لملفات، إلى أسلوب أكثر مؤسساتية يقوم على التفاوض المستمر وبناء أرضية دنيا من الاستقرار. بهذا المعنى، لم تعد الرسالة الأساسية هي «فصل الاقتصادين»، بل الاعتراف بأن الاقتصادين الأمريكي والصيني باتا متداخلين على نحو يصعب تفكيكه من دون كلفة باهظة على الطرفين وعلى الأسواق العالمية. والنتيجة، هي أن الحوار نفسه أصبح جزءاً ثابتاً من إدارة القوة، لا مجرد تفصيل دبلوماسي يمكن الاستغناء عنه.
غير أن هذا المسار لا يعني نهاية الضغوط أو ذوبان الشكوك المتبادلة. فواشنطن أبقت على بعض أدوات الضغط التجاري باعتبارها أوراق تفاوض، لا مقدمة تلقائية لحرب اقتصادية شاملة. وهنا يكمن أحد مفاتيح المرحلة: الخلاف لم يعد يُدار بمنطق الانفجار، بل بمنطق «الرافعة». أي أن الرسوم، والتحقيقات، وقيود التصدير، وسواها من الأدوات، تتحول تدريجياً من وسائل عقابية خالصة إلى عناصر ضمن مساومة أوسع.
فضلا عن ذلك يضاف بُعدًا جيوسياسيًا مهمًّا إلى هذا المشهد، حين يرتبط تأجيل القمة المنتظرة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ بتوترات الشرق الأوسط، لا سيما التصعيد المرتبط بإيران ومضيق هرمز. هذه الإشارة توحي بأن العلاقة الأمريكية الصينية لم تعد تُفهم فقط من خلال التجارة والتكنولوجيا، بل أيضاً من خلال تشابك المسارح الإقليمية. فكل أزمة كبيرة في الشرق الأوسط أو أوروبا أو شرق آسيا باتت قادرة على إعادة ترتيب الأولويات بين واشنطن وبكين.
وفي قلب هذا «السلام البارد» تبرز التكنولوجيا، وبصورة أخص الذكاء الاصطناعي، باعتبارها الساحة الأشد حساسية. وهناك صعود واجهات ذكاء اصطناعي متقدمة داخل الصين دفع الجانبين إلى التفكير في صيغة تعاون لا تتعلق بتقاسم التفوق، بل بوضع «حواجز أمان تقنية» تمنع الانفلات.
وإذا كانت التكنولوجيا هي وجه الصراع الأكثر حداثة، فإن سلاسل الإمداد تظلّ البرهان الأكثر مادية على استحالة القطيعة.
ويمكن أن نرى في مسار باريس تمهيداً لما نسميه «صفقة كبرى» ممكنة بين القوتين، تشمل تفاهمات على مشتريات زراعية أمريكية، وتعاوناً أولياً في الذكاء الاصطناعي، وترتيبات تخفف الاحتكاك في الملفات الاقتصادية.
وخلاصة القول إن ثمة ولادة مرحلة لا هي “عولمة وردية” على طريقة التسعينيات، ولا هي “حرب باردة” مكتملة الأركان، بل صيغة هجينة: خصومة استراتيجية داخل نظام من القواعد والحوارات والضوابط. ومن هذه الزاوية، يبدو «السلام البارد» توصيفاً مناسباً للحظة الراهنة: سلام بلا ثقة، وتعاون بلا ودّ، وتنافس بلا أوهام.

* محلل جيوسياسي وكاتب عمود في الشؤون الدولية. نُشرت أعماله على نطاق واسع من قبل مؤسسات إخبارية ومطبوعات دولية مرموقة.(كاونتر بانش)