د. نسيم الخوري
«ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍ» تُصبح الكتابة فيه مشقّة عصيَّة دموية في أرضي اللبنانية وأرضي العربية وأرض العالم المجبولة بالدماء والخرائب وملامح القيامة على نسقي العقل والحضارة، كيف تحرّر أوطانك زمن انهيار العقول عبر إدمان حفر الأنفاق، وفيما لست تداري وتداوي لتعبر فتخاف أن تموت تكسيراً وتمزيقاً بكلّ ما لك وما يعنيك، ما يحصل بك وبلبنانك وبلاد العرب أوطانك يتنهّد أمامي علامات استفهام تتجاوز العقل والحبر.
أينقاد الحبر خلف بحور من حروب تسفّه حضارات القرن والعلم نراها تقيح بالدماء والأشلاء وتهديم المدن والأبراج لتجد نفسك وعائلتك ووطنك وبلاد العرب أوطاني ونصّك في أنفاق الخرائب وقتل الحضارة هذا هو اسمك؟ أنغور في أنفاق لا تملأها أعمدة السحاب وأعمدة حضارة البشرية في الأرض.
أكتب والكلب أمامي ينظر إلى القلم فيراه عصا، والذئب ينظر من قريب إلى يدي التي تحمله، أما الثعلب فأراه ينظر إلى العينين، هي الحكمة التي لا أتحدث بها عن الحيوان، لكونها تفضح طبقات الوعي عند البشر.
هنا يبدأ الذكاء الحقيقي الذي يتجاوز الذكاء المصطنع كي نقرأ أو نتهجّى فيما لم يحدث بعد.
تقول الحكمة القديمة لك بهدوء: ليس كل من فهم الخطر نجا، ولا كل من رأى اليد انتصر، الناجي من فهم العقل الذي قرر رفع العصا، لا تُشاغب العصا إذاً لأنّها عمياء، ولا تُخاصم اليد التي تتبدّل لكن أنظر بثباتٍ إلى العينين. لماذا؟ لأن هناك يولد الضرب، وهناك يُمكن أن يُلغى الشر.
أمس سكنتنا الطفولة البائسة في غزّة التي لم نتمكن من محو ملامحها بعد عندما راح الأطفال يغورون في صناعة الأنفاق يحفرون في الرمل أجيالاً مجبولة بالبؤس التاريخي والمقاومة الطبيعية التي لم تورث سوى ما شهدناه ونشهده من أنفاق نفسيّة تعجز عن إخراجنا منها نظريات عالم النفس فرويد، هي الصورة في لبنان التي ترذل الحبر والحضارة في استراتيجيات بناء الأنفاق، أمام أشلاء الأطفال الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والخامسة عشرة يمضون ساعات طويلة يحفرون الأنفاق بأيديهم تحت الأرض، لكأنهم تراب ينبش في تراب بحثاً عن مستقبل لا يُقبل، أو كأن هؤلاء قد اقتبسوا غريزتي النمل والنحل في هموم البقاء والتواصل والتبادل والقتال تحت التراب.
وماذا بعد؟
أقفل القرن العشرون الأبواب خلفه، على مئة وسبع حروب في العالم حصلت بعظمها بين مجموعات إثنية ودينية. كان الغريب فيها حضور المسلمين عبر أدوار وصراعات وقتال فيما بينهم ومع غيرهم من البوسنة والشيشان وكوسوفو ومقدونيا وأذربيجان وطاجكستان وكشمير والهند والفلبين وإندونيسيا وفلسطين ولبنان والسودان ونيجيريا وغيرها، واستقبل العالم الألفية الثالثة وكان العالم مشغولاً ب32 نزاعاً مسلّحاً يُظهرنا في 23 منها بأدوار ملحوظة ومشغولة جيّداً.
أننسى ما ولّد ويولّد هذا الحضور في الحروب قلقاً معقّداً عند العرب نفترق فيه عن الشعوب الأخرى عند لصقنا المُعلن أبداً بالإرهاب، بقي السؤال: ما خلفيات هذا العنف كلّه ودوافعه وأشكاله ونتائجه الدينية المصنوعة، وخصوصاً عندما نشهد البشرية تتابعه إذ فقأت عين الدنيا بفظائعها في الإعلام، لكأنّنا شعوب في الأرض في العصر الحجري يستبدلون الحجر بالقذيفة.
يسوقني التفكير، نحو ما يتردّد في التفريق بين الدين والتديّن، انطلاقاً من لجوء الشعوب حيال الأزمات والتحدّيات المستوردة، إلى التديّن العفوي فتختلط مسائل الدين بالدنيا توفيراً للحماية الاجتماعية أعني التجذّر في الطوائف والمذاهب والتعصب. تصبح الأديان ذي النبعٍ الإلهي الواحد خلاصاً للإنسان من أسئلة الفلسفة منذ الهند واليونان إذ صار بالإمكان إيجاد الأجوبة على الأسئلة الكبرى الشديدة التعقيد في الدين والدنيا عندما يعجز العقل في الإجابات فيحيلها إلى الخالق. وتورث المفارقات بين الأديان التوحيدية أسئلة صعبة ترتبط برؤية الناس لهذا الدين أو ذاك، أو بمدى حريّة البشر فيما يرون ويعتقدون. هكذا يبلغ الشطط مداه بين حضارتي السماء والإنسان ليبقى الدين للخالق والتديّن لرجال الدين والفكر والفلاسفة ورؤساء الدول المتدينين.