ما بعد الحرب والمأزق الاستراتيجي

00:03 صباحا
قراءة 3 دقائق

بات واضحاً أن الأطراف المنخرطة في الحرب الإيرانية، أمريكا وإسرائيل وإيران، تبحث عن نهاية لها، تسمح لكل طرف أن يزعم النصر، بغضّ النظر عن الكُلف الباهظة التي دفعها، وبغضّ النظر عمّا حققه من أهداف.
هنا تكمن المعضلة، أو المأزق الاستراتيجي، أي في ما سيترتب على الحرب من جهة، وما ستكشفه هذه الحرب من جهة ثانية، فهذه الحرب لا تقلّ في معناها عن كونها حرباً عالمية، حتى وإن اقتصرت بشكل مباشر على ثلاثة أطراف رئيسية، وامتدت بفعل الاعتداءات الإيرانية إلى دول الخليج.
ما يحدّد الفارق بين مفهوم الأزمة ومفهوم المأزق أن مفهوم الأزمة حاضر دائماً، فالأزمات من طبيعة العلاقات الدولية، ويمكن التعامل معها، وأحياناً اعتبارها غير موجودة، في إطار علاقات براغماتية لا تريد دفع الأزمة إلى الانفجار، وتأمين التعاون حتى في ظل الخلافات والاختلافات بين الدول والأنظمة السياسية، لكن مفهوم المأزق يشير بدقة إلى وصول الأزمة إلى مرحلة اللاعودة، إلى لحظة فاصلة لا يعود فيها بالإمكان تجاهل عمق الأزمات أو التكيّف معها، وبهذا المعنى المحدّد فإن الحرب التي نعيشها ويعيشها العالم منذ اليوم الأخير في فبراير/ شباط الماضي، هي التعبير الأوضح عن مأزق استراتيجي شامل، يتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى العالم ونظامه الدولي برمّته.
بطبيعة الحال، إن السؤال الذي يشغل بال صناع القرار الكبار في العالم ومنطقتنا الآن ينقسم إلى شقين، الأول مرتبط بفهم وتحليل السياقات التي قادت إلى الحرب، والثاني، وهو الأهم، كيف نخرج من هذا المأزق؟ غير أن الإشكالية هنا لا تكمن فقط في صعوبة الإجابة نفسها عن هذا السؤال المزدوج، وإنما في السياقات التي قادت إلى هذه الحرب، وفي معرفة جميع الأطراف أنها كانت حتمية الوقوع، وفي تجاهل معالجة أزمات عميقة في النظام الدولي العام، وفي النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
إن مراجعة سريعة ومكثفة لتصاعد حدّة الأزمات وطرق معالجتها السابقة تكشف عن تراكم طويل من الاختلالات البنيوية، وعن تآكل متزايد في قواعد الردع التقليدية، وتراجع فاعلية الدبلوماسية، وأحياناً وضع الدبلوماسية نفسها جانباً، أو أقله اعتبارها عملاً لتمرير الوقت إلى حين تغيّر موازين القوة، من دون إدراك للمخاطر العميقة الناجمة عن هذا النهج في السياسة وإدارة الأزمات، واحتمالية انفلات تقرير مصير الصراع من بين أيدي اللاعبين الكبار أنفسهم إلى مديات غير متوقعة.
لكن، هل فعلاً يمكن الخروج من هذا المأزق الاستراتيجي متعدد الطبقات؟
إن مثل هذا الافتراض هو بمثابة حدوث معجزة سياسية كبرى، لا تبدو مقومات حدوثها ممكنة، فأولى بديهيات حدوث هذه المعجزة السياسية أن يكون كل طرف قادراً على فكّ الارتباط بالاستراتيجية السياسية التي تبنّاها لخدمة مصالحه، والإقرار بأن الاستراتيجية التي اعتمدها لم تكن فعّالة، بل وإنها كانت خاطئة من الأساس، أو أقله كانت وحيدة الجانب، ولم تأخذ بالحسبان عوامل كثيرة أساسية وحساسة، وأهملت حسابات لا يفترض بعقل استراتيجي تجاهلها.
لا يتعلق المأزق فقط بالفشل في تحقيق الأهداف من الحرب، بل أيضاً بتناقض الوسائل مع النتائج، فالأدوات التي استُخدمت لإدارة الصراع، من الضغوط والعقوبات إلى الضربات العسكرية، ومن الحروب بالوكالة إلى الاشتباك المباشر، كلها لم تنتج حسماً، بل عمّقت حالة التعقيد، ووسّعت نطاق المخاطر على الجميع.
إن ما بعد الحرب ليس بالضرورة خروجاً من المأزق، عبر الوصول إلى حلّ أو تسويات دائمة، أو بناء منظومة أمن واستقرار عقلانية على المستويين الدولي والإقليمي، وإنما انتقال الصراع من طور إلى طور آخر، أكثر تركيباً وتعقيداً، ومن المؤكد أنه سيكون طوراً حافلاً بانعدام اليقين بكل القضايا الاستراتيجية، مثل أمن الطاقة، وحدود السيادة، وطبيعة النظام الإقليمي وآليات إدارته، وإعادة ترتيب المواقع والنفوذ فيه، لذلك سيكون جوهر المأزق الاستراتيجي كامناً في قدرة اللاعبين على إعادة تعريف المصالح والأدوار، والحدود الفاصلة بين الإرادة وبين ما يمكن أن تحقّقه، وبين ضرورات الاستقطاب وبين أعبائه وكُلفه الباهظة.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"