أوروبا ونظام النقدين

21:39 مساء
قراءة دقيقتين

د. لويس حبيقة
لم يكن ممكناً إدخال نقد بحجم اليورو إلى الأسواق الأوروبية والعالمية من دون سنوات طويلة من التحضير. هل وجد اليورو فقط لمنافسة الدولار؟ أم هنالك مصالح أوروبية اقتصادية ومالية وربما سياسية لإدخال نقد مشترك وإنجاحه؟ 
أحد مؤسسي أوروبا كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي كان يعتقد بضرورة إيجاد اليورو لمنافسة الدولار. كان يخشى النفوذ الأمريكي ويريد تقوية الداخل الأوروبي للوقوف السياسي والاقتصادي في وجه الولايات المتحدة. لذا بنى ديغول العلاقات الفرنسية الألمانية لحاجته إلى ألمانيا في مواجهة أمريكا. ديغول كان يعتقد أن الاقتصاد الألماني القوي وتركيزه على الصادرات للنمو سيضع دائماً الفرنك الفرنسي في موقع صعب وضعيف. لذا كان من الضروري إيجاد نقد جديد يحل محل المارك والفرنك في مواجهة الدولار. نعيش اليوم واقعياً في عالم معقد مع نقدين رئيسيين أي الدولار واليورو.
يعتبر البناء الأوروبي جدي جداً وناجح بالرغم من كل العوائق والتحديات. نعجز أحياناً عن فهم النقمة الشعبية الداخلية العلنية تجاه الوحدة والرغبة في الرجوع إلى الوراء. كيف نفسر رغبة البعض في إعادة بناء الحدود التي ألغتها اتفاقية «شينغن»؟ كيف نفسر رغبتهم في إلغاء النقد المشترك والعودة إلى العملات الوطنية كوجه من وجوه الاستقلال؟ كيف يمكن تفسير قرار البريطانيين بالخروج من الوحدة الأوروبية، وهم على ما يظهر نادمون على ذلك؟ وجدت الوحدة الأوروبية واقعياً لتبنى على النموذج الأمريكي الشمالي. قال الرئيس ترامب إن الوحدة الأوروبية أنشئت لأذية الولايات المتحدة، وقد نجح الأوروبيون إلى حد بعيد، في رأيه، ما يفسر طبيعة تعامله مع أوروبا بشأن أوكرانيا والتعريفات الجمركية.
الذي شكل اللاصق بين الأمريكيين هي الديمقراطية عبر انتخاب مجلسي شيوخ ونواب يلعبان دوراً كبيراً في النظام الأمريكي ومسؤولان مباشرة تجاه المقترع. ترتكز الدولة الأمريكية على الرئاسة كما على المجلسين التشريعيين. تكمن المشكلة حالياً في أن الرئاسة كما السلطتين التشريعيتين تقعان في يد جمهور الرئيس ترامب بالإضافة إلى التعيينات القضائية الموالية. الوضع في أوروبا مختلف، إذ بالرغم من وجود مجلس نواب أوروبي، فهو أقل أهمية وتأثيراً من المثيل الأمريكي.
تدير أوروبا مجموعة من الموظفين وربما التقنيين ما يجعل المحاسبة غير موجودة. لم تتطور المؤسسات الأوروبية لتتأقلم مع الحاجات والمستجدات. تبقى القوة السياسية الأساسية في أوروبا مع الدول المنفردة وليس مع المركز كما هو الحال في واشنطن. إن بناء أوروبا تجربة كبرى جمعت بين جنسيات وأعراق وهويات مختلفة. جمعت سكاناً من أصول وتاريخ يتكلمون لغات وطنية مختلفة. بنيت أوروبا على مبدأ احترام الإنسان وحريته، أي تأمين أبسط الحقوق الاجتماعية للمواطن ما يشكل الحافز الكبير للنمو والنهوض وحتى التنمية. لم تنجح الوحدة دائماً في تحقيق الأهداف، إلا أنها أحرزت تقدماً كبيراً. يشكل خلق اليورو عاملاً أساسياً لتقوية الانصهار الأوروبي مع وجود مصرف مركزي في فرانكفورت بإدارة فرنسية مع «كريستين لاغارد» التي يظهر أنها لن تبقى طويلاً في مركزها.
* كاتب لبناني

عن الكاتب

​خبير اقتصادي (لبنان)

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"