الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
لويس حبيقة
​خبير اقتصادي
أحدث مقالات لويس حبيقة
14 أبريل 2026
أوروبا ونظام النقدين

د. لويس حبيقة
لم يكن ممكناً إدخال نقد بحجم اليورو إلى الأسواق الأوروبية والعالمية من دون سنوات طويلة من التحضير. هل وجد اليورو فقط لمنافسة الدولار؟ أم هنالك مصالح أوروبية اقتصادية ومالية وربما سياسية لإدخال نقد مشترك وإنجاحه؟ 
أحد مؤسسي أوروبا كان الرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي كان يعتقد بضرورة إيجاد اليورو لمنافسة الدولار. كان يخشى النفوذ الأمريكي ويريد تقوية الداخل الأوروبي للوقوف السياسي والاقتصادي في وجه الولايات المتحدة. لذا بنى ديغول العلاقات الفرنسية الألمانية لحاجته إلى ألمانيا في مواجهة أمريكا. ديغول كان يعتقد أن الاقتصاد الألماني القوي وتركيزه على الصادرات للنمو سيضع دائماً الفرنك الفرنسي في موقع صعب وضعيف. لذا كان من الضروري إيجاد نقد جديد يحل محل المارك والفرنك في مواجهة الدولار. نعيش اليوم واقعياً في عالم معقد مع نقدين رئيسيين أي الدولار واليورو.
يعتبر البناء الأوروبي جدي جداً وناجح بالرغم من كل العوائق والتحديات. نعجز أحياناً عن فهم النقمة الشعبية الداخلية العلنية تجاه الوحدة والرغبة في الرجوع إلى الوراء. كيف نفسر رغبة البعض في إعادة بناء الحدود التي ألغتها اتفاقية «شينغن»؟ كيف نفسر رغبتهم في إلغاء النقد المشترك والعودة إلى العملات الوطنية كوجه من وجوه الاستقلال؟ كيف يمكن تفسير قرار البريطانيين بالخروج من الوحدة الأوروبية، وهم على ما يظهر نادمون على ذلك؟ وجدت الوحدة الأوروبية واقعياً لتبنى على النموذج الأمريكي الشمالي. قال الرئيس ترامب إن الوحدة الأوروبية أنشئت لأذية الولايات المتحدة، وقد نجح الأوروبيون إلى حد بعيد، في رأيه، ما يفسر طبيعة تعامله مع أوروبا بشأن أوكرانيا والتعريفات الجمركية.
الذي شكل اللاصق بين الأمريكيين هي الديمقراطية عبر انتخاب مجلسي شيوخ ونواب يلعبان دوراً كبيراً في النظام الأمريكي ومسؤولان مباشرة تجاه المقترع. ترتكز الدولة الأمريكية على الرئاسة كما على المجلسين التشريعيين. تكمن المشكلة حالياً في أن الرئاسة كما السلطتين التشريعيتين تقعان في يد جمهور الرئيس ترامب بالإضافة إلى التعيينات القضائية الموالية. الوضع في أوروبا مختلف، إذ بالرغم من وجود مجلس نواب أوروبي، فهو أقل أهمية وتأثيراً من المثيل الأمريكي.
تدير أوروبا مجموعة من الموظفين وربما التقنيين ما يجعل المحاسبة غير موجودة. لم تتطور المؤسسات الأوروبية لتتأقلم مع الحاجات والمستجدات. تبقى القوة السياسية الأساسية في أوروبا مع الدول المنفردة وليس مع المركز كما هو الحال في واشنطن. إن بناء أوروبا تجربة كبرى جمعت بين جنسيات وأعراق وهويات مختلفة. جمعت سكاناً من أصول وتاريخ يتكلمون لغات وطنية مختلفة. بنيت أوروبا على مبدأ احترام الإنسان وحريته، أي تأمين أبسط الحقوق الاجتماعية للمواطن ما يشكل الحافز الكبير للنمو والنهوض وحتى التنمية. لم تنجح الوحدة دائماً في تحقيق الأهداف، إلا أنها أحرزت تقدماً كبيراً. يشكل خلق اليورو عاملاً أساسياً لتقوية الانصهار الأوروبي مع وجود مصرف مركزي في فرانكفورت بإدارة فرنسية مع «كريستين لاغارد» التي يظهر أنها لن تبقى طويلاً في مركزها.
* كاتب لبناني

10 مارس 2026
شروط عودة النمو

يتباطأ حالياً النمو في أكثرية الدول. النمو مهم جداً لتلبية الحاجات السكانية المعيشية ورفع مستوى الحياة. لا يمكن محاربة الفقر إلا عبر النمو الذي ينشر الثروة في المجتمعات. المهم أن يتوزع النمو على المناطق والطبقات الشعبية وأن لا ينحصر عند الأغنياء. عودة النمو تعني استقرار المجتمعات واستتباب السلم الأهلي وتحسن العلاقات بين الناس وتطوير البنية التحتية كما الفوقية.
لا يستمر النمو الاقتصادي القوي لسنوات طويلة متتالية إلا في حالات استثنائية. لكل شيء نهاية ولا بد للدورة الاقتصادية من أن تحصل. الأسباب الأساسية للنمو الاقتصادي الغربي كانت لعقود زيادة عدد السكان وارتفاع الإنتاجية عبر البحوث والتطوير، والاثنان متعثران اليوم. من ناحية السكان، النمو الديموغرافي ضعيف وسلبي في بعض الدول، بالإضافة إلى رفض هذه الدول استقبال المهاجرين لأسباب غير اقتصادية. يبقى الإنسان الركيزة الأساسية للنمو حتى لو لم يعد دوره كبيراً كالماضي. جمع عوامل الإنتاج في مختبر واحد هو في غاية الأهمية، إذ لا بد للإنسان من أن يشترك مع رأس المال والمواد الأولية والطاقة والذكاء الاصطناعي لإنتاج أهم ما تحتاج إليه المجتمعات.
تدنت الحصة الاقتصادية للقطاعات التي كانت رائدة تاريخياً في تقدم الإنتاجية. نقصد هنا تلك التي سببت الثورات الصناعية خاصة الثانية، بينها الكهرباء والنقل والاتصالات. الثورة الثالثة هي الرقمية والأنترنت، لا شك في أنها مهمة إلا أن تأثيرها في رفع الإنتاجية لم يكن بحجم الثورة الثانية. أما ارتفاع حصة الخدمات في الاقتصادات فيما بعد، فأضعف نمو الإنتاجية لأن الخدمات طبيعياً لا تستوعب، كما الصناعة، التقدم التكنولوجي الكلاسيكي.
يحصل التباطؤ الاقتصادي الحالي بالتزامن مع زيادة فجوتي الدخل والثروة بين طبقات المجتمع. يؤثر هذا التزاوج في نفسية العمال وحتى في أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة. التصحيح واجب وصعب عبر الضرائب والمنح والخدمات. تشير الإحصائيات إلى أن حصة الأرباح من الإنتاج تزداد على حساب حصة العمل، وهذا يؤثر في الاستقرار في المجتمع وفي رغبة العمال في العمل أكثر لمؤسساتهم.
تكلم الاقتصادي الأمريكي «روبرت غوردون» في كتابه «النمو الأمريكي» عن «الركود البنيوي» إذ تصعب اليوم في رأيه العودة إلى النمو القوي بسبب تغير أسس وركائز المجتمعات والاقتصادات. يحتاج العالم إلى أفكار جديدة وتقنيات فاعلة، بدأ من الذكاء الاصطناعي كي يتغير نمط الحياة ويسمح للإنسان برفع إنتاجيته. أما دور الإنسان الآلي في الإنتاج فيتطور بشكل مدهش في الطب والصناعة وحتى في مختلف الزراعات والخدمات.
تكمن خطورة تباطؤ النمو في تأثيره القوي مع الوقت في البحبوحة الاقتصادية وبالتالي في استمرار المجتمعات بالحصول على الرفاهية المطلوبة. إن رفع الإنتاجية عبر التعليم والاستثمار في قطاعات واعدة ضروري، كما لا بد من عودة الروح إلى الصناعة. فالإنتاجية الصناعية لم تخف، إلا أن حصة الصناعة في الاقتصادات ضعفت وبالتالي تأثير إنتاجيتها في الاقتصاد ككل أصبح أضعف. زيادة نسب النمو هي من أولويات أي حكومة جدية.

3 مارس 2026
شروط التنمية المستدامة

ما هي أهداف مجتمعاتنا وهل هي صعبة التحقيق وكيف نصل إليها؟ هنالك عوامل يمكن أن توصلنا إلى التنمية المستدامة، منها العمل الجاد مع الحفاظ على نوعية الحياة ونقلها إلى أجيال المستقبل. هنالك التقدم التكنولوجي الذي يساعد المجتمعات على الحفاظ على مواردها، فيسمح بإنتاج سلع أكثر من نفس الموارد المادية والبشرية. لا يمكن تحقيق النمو الطويل الأمد من دون تكنولوجيا متطورة لا تزيد التلوث.
المطلوب عالمياً وإقليمياً أولاً تحقيق الازدهار عبر نسب نمو مرتفعة متواصلة تحسن الأوضاع المعيشية. قال الرئيس أيزنهاور إن الخطط هي عديمة الفائدة، أما التخطيط فهو كل شيء. فالخطط لا تصح في العالم المعقد ولا يمكن السيطرة على النتائج. أما التخطيط المبني على الوعي والذكاء وحسن التفكير، فهو أكثر من ضروري ولا بد من القيام به. تبقى كل السياسات مبنية على التوقعات التي تدخل في تحديد القرارات. عندما تقرر أي حكومة زيادة أو تخفيض الضرائب، تبني قراراتها على توقعات للنتائج. عندما تضع أي دولة أو مؤسسة عقوبات على أشخاص أو شركات، فهي تتوقع تغييراً في التصرف إذ إن العقوبة بحد ذاتها غير مجدية.
التنوع في المجتمعات مهم شرط أن لا يرفع كثيراً مستوى الانقسامات الجدية في العقيدة والأهداف والرؤية. المجتمعات الذكية هي التي تستفيد من أزماتها لتتجنب كوارث مستقبلية مماثلة. للأسف القليل من المجتمعات تستفيد من تجاربها المرة، لذا نرى أن المشاكل تتكرر وربما تصبح أكثر خطورة. أما الحوكمة فمطلوبة عبر قاعدتي المحاسبة والشفافية.
واقعاً تمر كل المجتمعات بأزمات كبرى إذ إن الأوضاع الصحية قبل الاقتصادية والاجتماعية تدعو لليقظة والتنبه والقلق. ليست هنالك دولة لا تتوجع اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وإن يكن بدرجات مختلفة. في أوروبا، المشكلة الصحية كبيرة وهنالك عجز حقيقي في المواجهة. مجرد الإصغاء للإعلام، يجعلنا نقلق من ناحية الضياع في طرق وتوقيت ونتائج المعالجات الصحية. كما لا اقتصاد من دون صحة، فلا صحة من دون قدرات اقتصادية كافية.
خسر الرئيس ترامب الانتخابات في 2020 بسبب الصحة كما بسبب عدم معالجة فجوة المشاكل المناخية بل إنكار وجودها. الوضع المناخي العالمي خطر وهنالك إهمال تجاه التردي المناخي من قبل ملايين الناس ومئات الحكومات. أسوأ ما يحصل هو الحرائق الخطرة في العديد من الغابات والحدائق والتي تشير إلى ارتفاع مستوى الحرارة عالمياً. لا ننسى الفيضانات والهزات الأرضية وغيرها من الشوائب.
المشاكل الصحية في الدول الناشئة والنامية أكبر وأخطر، والإحصائيات غير جدية. من يستطيع تقييم الأوضاع الصحية في أكثرية الدول العربية، إذ إن الإحصائيات الصحيحة غائبة؟ في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تشير المعلومات إلى تردي الوضع الصحي وإلى غياب القدرات المادية والتقنية المناسبة. تحاول العلوم الاقتصادية إيجاد الحلول للمشاكل. طبعاً العلوم تتطور لمواجهة التغيرات الكبيرة على أرض الواقع. الاعتماد على العلوم الاقتصادية المتطورة يشكل نوعاً من الضمانة أو التأمين لتجنب المخاطر وتخفيف الخسائر.

26 فبراير 2026
تحقيق النمو وحمايته

د. لويس حبيقة *

واقعاً تهدف كل الحكومات إلى تحقيق النمو القوي مهما كانت الكلفة. المهم تحقيق الربح من دون النظر إلى أوضاع الضحايا من فقراء وغيرهم. نتج عن هذا الجشع خسائر كبرى وأمراض حقيقية تكدست لتضع المجتمعات في خطر. ساد التفكير أن الأسواق المالية تنتج النمو الاقتصادي، وبالتالي اخترعت كل الأدوات التي تحقق الربح السريع المرتكز على مخاطر كبرى. قال الاقتصادي مينسكي، إن الأسواق المالية تتعرض دائماً للمضاربات الدورية التي تسبب في آخر المطاف أزمات كبيرة. وقال أيضاً إن النقطة المفصلية هي عندما تخف السيولة في السوق ويبدأ بيع الأصول، وبالتالي تتجه الأسعار نزولاً نحو الكارثة وهذا ما حصل مراراً.
بعد أزمة 2008 العالمية، تغير التفكير الاقتصادي الأكاديمي وأصبح التركيز على دور التكنولوجيا والإبداع والعلوم في خلق النمو وتطويره. الربح عبر الأسواق المالية أسهل وأسرع وأخطر، لكنه مؤقت. الربح عبر العلوم والتكنولوجيا أصعب وشاق ومتواضع، لكنه دائم أو يطول أكثر لتأثيره في مصادر النمو. عندما حصلت الأزمات وغاب النمو وارتفعت البطالة، ماذا فعلت الحكومات؟ زادت الإنفاق العام لمواجهة الخلل في السوق ولتجنب حصول كارثة كما في 1929. ماذا كانت النتيجة؟ ارتفاع كبير في عجز الموازنات وفي الدين العام للتقليل من الخسائر الاقتصادية ومن الغضب الشعبي. بعده ولمعالجة الخلل المالي، قامت الحكومات بتطبيق سياسات تقشفية أغضبت الجمهور وسلبت بعض الحقوق وسببت الفوضى.
ما هي العبر التي يمكن اتخاذها مما حصل وهل تمت المعالجة بشكل يجعلنا متأكدين من أن التكرار مستحيل اعتماداً على كل التقدم في العلوم الاقتصادية؟ لا شك أن العلوم تطورت وتقدمت، إلا أن الاطمئنان الكلي مستحيل. في الاقتصاد هنالك نظريات متعددة يمكن أن تصح في ظروف معينة وتخطئ في ظروف أخرى، منها نظريات «الأسواق الفاعلة» أو النظريات التي تربط الاقتصاد بعلم النفس أو الأعصاب أو غيرها. لا يمكن وصف أي من هذه النظريات بالخاطئة دائماً أو بالصحيحة دائماً.
هنالك دور كبير للإعلام المتخصص عبر الصحف والإذاعات وغيرهما يمكن أن يكون إيجابياً أو العكس. في العديد من الأحيان كان الدور سلبياً أي شجع لأسباب غير بريئة المستثمرين والمواطنين العاديين على التهور. من يضبط هذا الإعلام المتخصص وغير البريء؟ هنالك دور كبير للسلطات الرسمية في تنبيه المواطن إلى المخاطر وفي تطبيق القوانين والعقوبات على المخلين بقواعد السلامة.
وهدف العقوبات ليس فقط محاسبة الماضي وإنما خاصة زيادة سلامة المستقبل. تكمن المشكلة أيضا في أن مؤسسات الرقابة تتأثر أحياناً بالسلطات السياسية، فتخفف من صرامتها لإرضاء السياسيين وهذا سيئ. المطلوب إعطائها الحصانة الكافية لمواجهة السياسيين تماماً كما حصل في أمريكا بين المصرف المركزي وترامب، حيث أراد الرئيس إقالة الحاكم باول، لكن القوانين والاستقلالية القانونية الممنوحة للمصرف المركزي منعته من ذلك. استقلالية المصرف المركزي الأمريكي التي يجب أن يحافظ عليها الحاكم المعين الجديد هي نموذج لما يجب أن تكون عليه القوانين المتخصصة.
* كاتب لبناني

22 فبراير 2026
ركائز النجاح الصيني

د. لويس حبيقة *

كانت الإدارة العامة الصينية الأفضل عالمياً حتى القرن التاسع عشر، عندها انتقلت القيادة النوعية إلى الغرب. تريد الصين اليوم إعادة تفوقها الإداري الذي سينعكس تفوقاً اقتصادياً وسياسياً. لذا أسست الصين مدرسة الإدارة الوطنية تحت رعاية الرئيس السابق «هيو جينتاو» (2003 2013) الذي قال إن التفوق الصيني يرتكز على العلم والنوعية وخاصة التدريب. مدرسة الحزب الشيوعي في العاصمة تركز على تحديد الأهداف، بينما تسعى مدرسة بيودونغ إلى تحديد كيفية الوصول إلى تلك الأهداف.
في أنظمتنا التعليمية الوطنية العادية، نتطلع خاصة إلى الغرب لأخذ الأفكار والدروس التطبيقية. إلا أن آسيا تتفوق أحياناً على الغرب ليس فقط في الأفكار بل في التطبيق أيضاً. شكلت شرق آسيا أعجوبة اقتصادية لا بد من أخذ العبر منها لمحاولة إنقاذ الاقتصادات العربية المتعثرة وغير المتنوعة. من المؤكد أن الاقتصاد الحر المبني على العولمة لم يعط النتائج المرجوة. لم تعد مجموعة الاقتصادات الناشئة العمود الفقري للاقتصاد العالمي كما كانت عليه بسبب سوء الأداء، وعلى الأخص بسبب الفساد المنتشر في الإدارة والسياسة والأعمال. يحتاج الاقتصاد العالمي إلى نفضة كبيرة تبدأ من الاقتصادات الوطنية لتنتقل إلى الاقتصادين الإقليمي والدولي.
تشعر الصين اليوم بالتعثر وليس باليأس والقلق، إذ ها هي تؤسس للمستقبل علماً أن نتائج الماضي لم تكن سيئة. في مدرسة الإدارة في «بيودونغ» Pudong مثلاً، تجهز الصين قيادات المستقبل عبر دروس ومحاضرات وندوات بمستويات عالمية. هنالك آلاف الأشخاص يتخصصون في الإدارة العامة أي في جهاز إداري يقوى مع الوقت. يجب على كل موظف في الدولة أن يتدرب 3 أشهر على الأقل كل 5 سنوات أي نحو 133 ساعة في السنة. في الصين، يتم اختيار الأفضل للعمل في القطاع العام على عكس الدول الغربية التي يذهب أفضل شبابها وشاباتها إلى القطاع الخاص. فالعقلية الصينية مختلفة عن الغربية، إذ لا تشكّل المنافع المادية السبب الأساسي لانتقال الموظف أو العامل من عمل إلى آخر. هنالك رابط نفسي قوي يربط العامل والموظف بالمؤسسة التي يعمل فيها، لا نجد مثيلاً له في المؤسسات الغربية.
بنيت الأفكار الصينية على النموذج السنغافوري الذي يجُمع العالم على نجاحه. سنغافورة، الدولة الصغيرة المتفوقة إدارياً واجتماعياً، بنت أفضل المدارس والمستشفيات، وحققت نظاماً سياسياً مبنياً على القانون والعدل والتخطيط. يمكن تشبيه سنغافورة بالنسبة للصين ب«سيليكون فالي» الأمريكية وانعكاسها على القطاعين العام والخاص. حقق «لي كيوان يو» أعجوبة اقتصادية خلال توليه رئاسة الحكومة في سنغافورة (1959 1990). حقق الأمن والنظام وفتح الاقتصاد على الاستثمارات. وظف أذكى وأفضل الأشخاص في الحكم ودرّبهم ودفع لهم أجوراً عالية لتحفيزهم على العمل في القطاع العام. لم تكن الصين الاقتصاد الوحيد الذي حاول ويحاول التعلم من التجربة السنغافورية، بل هنالك «دبي» التي يستمر نجاحها في ميادين عدة وتتنافس اليوم مع المدن الناشطة لإعطاء أفضل النتائج.

19 فبراير 2026
علاقات دولية جديدة

د. لويس حبيقة *

عانت أوروبا مؤخراً خمسة أمور أثرت سلباً في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية وهي تكلفة الطاقة الناتجة عن الحرب الأوكرانية والتي تدنت لاحقاً، تحول الصين إلى اقتصاد استهلاكي منافس بينما كانت من زبائن أوروبا، انخفاض الاستثمارات الأوروبية الداخلية على كل شيء، النقص الكبير في الكفاءات العمالية والإدارية والتقنية وأخيراً الفساد الإداري والبيروقراطية القاسية التي عرفت بها أوروبا منذ عقود. أوروبا غير قادرة على مواجهة طموحات الرئيس ترامب الجديدة، لكن الصراع يبقى أقل تكلفة في رأيها من الخضوع للمطالب الأمريكية.
في رأي الرئيس ترامب أن وقت التساهل الأمريكي تجاه الوحدة الأوروبية ودولها انتهى، وحان لأوروبا ودول العالم حليفة أو عدوة أن تسدد ديونها لأمريكا. تفرض أمريكا التعريفات الجمركية الباهظة والمؤلمة مما يسبب خسائر للاقتصاد العالمي وحتى للأمريكيين الذين اعتادوا على الاستهلاك الدولي النوعي من سيارات وتكنولوجيا ومأكولات وأجهزة منزلية وغيرها. تعسرت أوروبا سياسياً مؤخراً كما يظهر جلياً من مختلف الانتخابات البرلمانية، إذ تحسنت أوضاع المتطرفين من أحزاب اليمين واليسار. أوروبا غير قادرة عملياً على رفع مساهمتها في ميزانية الناتو إلى 5% من الناتج لأن الانعكاسات الداخلية الاجتماعية ستكون مؤلمة.
أما العلاقات الإنسانية فلا بد أن تتأثر سلباً بالأجواء الجديدة المشحونة. من نتائجها سيكون انخفاض حجم التبادل التجاري والمالي عبر المحيط الأطلسي كما انخفاض عدد السياح من الجانبين وانخفاض عدد الطلاب الذين يدرسون في الخارج. فالتواصل الدولي الإنساني الذي عرفناه منذ الحرب العالمية الثانية يتأثر سلباً مما يضر بالجميع. كيف إذا ستكون طبيعة الحلول مع أوروبا لتخفيف حماوة الصراع؟ لا شك في أنها ستكون اقتصادية أي مثلاً يحصل ترامب على المعادن الأوكرانية وينهي الصراع مع روسيا دون أن تسترد أوكرانيا أرضها المحتلة. ستقوم أوروبا بزيادة إنفاقها العسكري لكن أقل بكثير مما يريده ترامب. ستطبق التعريفات الأمريكية على الاستيراد لكن الدول المصابة ستتعاون لتخفيف حماوة الصراع ولن تواجه.
كندا تبقى مستقلة ولن تكون الولاية الأمريكية ال 51، كذلك المكسيك ستبقى مستقلة مع تشديد أكبر على الحدود لمنع الانتقال غير الشرعي بل لتطوير شروط الانتقال الشرعي لأن أمريكا تحتاج إلى اليد العاملة الكفؤة. أما غرينلاند، فستبقى مع الدانمارك لكن مع حضور أمريكي قانوني وعسكري واقتصادي ثقيل وأقوى بكثير.
مشكلة أمريكا الاقتصادية الجدية ستكون مع الصين القادرة على المواجهة في كل الميادين. زيارة الرئيس ترامب لها في نيسان المقبل ستخفف من حدة الصراع لكن لا يمكن أن تنهيه. إضاعة الوقت في المواجهات الجانبية مع الحلفاء يضر بهم ويعطي الوقت للصين لتتطور وتنمو وتحسم صراعاتها الآسيوية مع تايوان وهونغ كونغ وكوريا واليابان. الصين كبيرة داخلياً في السكان والإنتاج ومؤخراً في الاستهلاك، لكنها متواضعة في نفوذها السياسي الدولي. لن تبقى كذلك وسيأتي «ترامبها» للمطالبة بحقوقها وتكبير حجمها ولعب دور أكبر وأقوى دولياً ليس فقط في الاقتصاد وإنما في السياسة والدفاع أيضاً.