في الاقتصاد.. هناك دائماً من يملأ الفراغ

21:43 مساء
قراءة 4 دقائق

د. محمد الصياد*
ما زالت ديناميكيات التقسيم الدولي للعمل «The international division of labor»، تعمل كالمعتاد، أو كما «استقرت» عليه في طورها الأخير. في البدء اعتمد هذا النظام على تخصص الدول في سلع نهائية «Finished products» محددة، مثل المنسوجات والمنتجات الزراعية؛ قبل أن يصل إلى طوره الحالي القائم تقسيمه الإنتاجي على عمليات أصغر والاستعانة بمصادر خارجية للتصنيع يتم جلبها من دول منخفضة الكلفة. تخطى هذا التقسيم قطاع الإنتاج وشمل بتحولاته قطاعات اقتصادية جديدة، مثل الخدمات وإنتاج المعارف والخبرات الفنية «Know-how»، والمال والأعمال.
تتمتع بعض الدول، كما صار مستقراً في التقسيم الدولي للعمل، بميزة مطلقة، بينما يتمتع بعضها الآخر بميزة نسبية (المطلقة حين تنتج دولة ما سلعة باستخدام موارد أقل لإنتاجها مما تستطيع فعله دولة أخرى لإنتاج نفس السلعة، بينما تتمثل الميزة النسبية في تمكن دولة من إنتاج سلعة بكلفة أقل من إنتاجها لسلعة أخرى. أي أنها تفاضل بين كلفة الفرصة البديلة لصالح الخيار الأكثر ربحية). هذا الامتياز ليس مضموناً بصورة مطلقة. فالمنافسة مفتوحة، ويمكن أن تتغير المواقع باجتهاد بعض الدول وتراخي أخرى.
هناك مقولة منسوبة للفيلسوف أرسطو، وهي أن «الطبيعة تكره الفراغ»، سواء كان مادياً أو اجتماعياً أو عاطفياً. فالفراغ غير طبيعي، لذلك سيتم ملؤه في نهاية المطاف. بمعنى أن الحياة تستمر والأنظمة مصممة كي تستمر. كانت الصين تحتل المرتبة الأولى من بين أكثر الدول حيازة لسندات الخزانة الأمريكية، واستمرت على هذه الحال حتى عام 2019. لكنها بدأت تقلص هذه الحيازات إلى أدنى مستوى لها منذ 2008، لأسباب مختلفة منها المشاكل التجارية التي نشبت بينها وبين الولايات المتحدة، وتصاعد المخاوف الجيوسياسية في العالم. لكنها ما أن أخلت هذا الفراغ حتى صعد لاعب جديد ليحل مكانها. والمفاجأة أنه لاعب صغير قياساً للعملاق الصيني. إنها جزر كايمان «Kayman Islands» التي تقدمت بصورة غير متوقعة لسد هذه الفجوة.
هذه الجزر البريطانية الواقعة في غرب البحر الكاريبي، التي لا تزيد مساحتها على 264 كيلومتراً مربعاً، ولا يزيد عدد سكانها على 76,000 نسمة (بيانات 2025)، باتت تحوز سندات خزينة أمريكية بلغت قيمتها 427 مليار دولار أمريكي حتى نوفمبر 2025، ما جعلها سادس أكبر مالك أجنبي لها. بل إن تحليلاً أجراه الاحتياطي الفيدرالي عام 2025، كشف عن أن الرقم الإجمالي كان أقرب إلى 1.4 تريليون دولار أمريكي بحلول نهاية عام 2024، مع تقديرات تصل إلى 1.85 تريليون دولار أمريكي، وذلك بعد شراء ما يقرب من 40% من سندات الخزانة الجديدة بعد عام 2022. لكن مع جدارة الملاحظة هنا، بأن الأرقام؛ إذ تشير إلى أن جزر كيمان، أكبر مالك أجنبي للديون الأمريكية، فإن المشترين الرئيسيين ليسوا من سكان جزر كايمان أو الحكومة، بل صناديق التحوط العالمية. فمعظم مديري صناديق التحوط في الولايات المتحدة وأوروبا يستخدمون جزر كايمان كجنة ضريبية لإدارة صناديق تغذية استثمارية (Feeder Funds)، أو صناديق استثمار رئيسية (Master Funds)، أو ما تسمى هياكل تغذية رئيسية
(Master-Feeder Structure). وجميعها منتجات استثمارية معقدة لصناديق تحوط تجمع الأموال من المستثمرين من أمريكا وخارجها بإغراءات ربحية وضريبية وسرية مصرفية. مستفيدة (هذه الصناديق) من إنشاء حكومة جزر كيمان وتطبيقها منذ عام 1993، قانون صناديق الاستثمار المشتركة وسط طفرة صناديق التحوط في التسعينات، حيث بدأت تظهر هذه الصناديق بأعداد كبيرة، مدفوعة باللوائح المرنة والضرائب المنخفضة. وتُعد جزر كايمان اليوم موطناً لما يقرب من ثلاثة أرباع صناديق التحوط الخارجية في العالم. وقد أدت جزر كايمان دوراً محورياً في التمويل العالمي منذ ستينات القرن الماضي، حيث مثّلت مركزاً للشركات وللمستثمرين الأفراد، لتفادي دفع الضرائب في أوطانهم «Tax evasion» وعدم كشف أصولهم. وكانت البنوك الأوروبية، التي تتداول بالدولار خارج الولايات المتحدة، والمعروفة باسم «اليورو دولار»، قادرة على إقراض هذه الدولارات بعيداً عن نطاق اللوائح والقيود الأمريكية على رأس المال. ومع نمو السوق، أصبحت جزر كايمان مركزاً رئيسياً لتخزين واستخدام هذه العملات. كان المشرعون في جزر كايمان قد سنّوا في ستينات القرن الماضي قوانين مالية لجذب الشركات الدولية، شملت عدم فرض ضرائب مباشرة على الأفراد أو أرباح الشركات أو مكاسب رأس المال، ما أسهم في ترسيخ مكانة الجزر كمركز مالي خارجي. ويوفر النظام القانوني، القائم على القانون العام الإنجليزي، للمستثمرين، قواعد واضحة وتشريعات حديثة ومحاكم مستقلة، ما أشعر المستثمرين بالثقة وحوّل الجزر إلى قوة مالية عالمية. وعلى الرغم من وجود حكومة منتخبة خاصة بجزر كايمان يرأسها رئيس وزراء محلي، فإن الصلاحيات الرئيسية لا تزال بيد المملكة المتحدة. فتُعقد جلسات الاستئناف النهائية في القضايا الكبرى في لندن، بينما يتولى حاكم يعينه ملك بريطانيا، بناء على نصيحة الحكومة البريطانية، الإشراف على الأمن الداخلي وتنسيق الشؤون الخارجية مع لندن. ويمكن القول إن جزر جيمان هي جزء لا يتجزأ من المركز المالي لمدينة لندن.
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"