جاء في سيرة فريدريكو غارثيا لوركا أنه زار أمريكا، وذلك بين عامي 1929 و1930، وبعد رحلته تلك كتب مجموعته «شاعر في نيويورك»، ولم تكن زيارته طويلة، فقد أمضى بين مانهاتن ونيويورك تسعة شهور فقط، ثم عاد إلى الأندلس بانطباعات غير سارّة تماماً من وراء تلك الزيارة التي تحوّلت إلى قصيدة طويلة كتب على منوالها، في ما بعد، شعراء عرب من بينهم أدونيس الذي كتب «قبر من أجل نيويورك».
رحلة لوركا إلى أمريكا ستكون موضع إلهام شعري وثقافي بالغ الأهمية بالنسبة للشاعرة الأمريكية من أصول فلسطينية ناتالي حنظل التي قامت في عام 2009 برحلة معاكسة لرحلة لوركا حين غادرت نيويورك إلى مدريد، وأمضت في إسبانيا التي ضمّت رفات ودم لوركا تسعة شهور، وكتبت هناك مجموعة شعرية بعنوان «شاعرة في الأندلس».
تقول ناتالي حنظل «أراني أذهب إلى إسبانيا لأكتب ديوان «شاعرة في الأندلس» أنا التي أعيش في نيويورك، وجذوري متوسطية وشرق أوسطية. لقد أعدت نسج رحلة لوركا، لكن بطريقة معكوسة».
كتبت ناتالي حنظل قصائد تشبه خريطة العظام، وتقول: «لا من السماء ولا من البحر تأتي أشعار الرجال»، ولذلك ربما كانت في الأندلس تبحث عن الشعر الذي لا هو من السماء ولا هو من البحر، بل هو كينونة لوركا، صديق الغجر، الذي قتلته فرقة إعدام في الفجر، وراحت الشاعرة تبحث عن دمه تحت أو فوق الحجارة، لا لتثأر له أو تقتصّ من قتلته، بل، ببساطة، لتلمس الحجارة، وتملأ رئتيها بالهواء الذي كان يتنفسه الشاعر، ولكي ترى فردوساً مفقوداً إلى الأبد، يتماهى مع فردوسها الفلسطيني المفقود، لكن، ليس إلى الأبد.
تحت كل كنيسة هناك مسجد في الأندلس، والأشياء والكائنات تتكلم، حتى الحصان كان يريد قول شيء ما لها.. وحتى اليعاسيب في قرطبة تعرف ما ليس مقدّساً.
مجموعة شعرية نقلها إلى العربية عن الإنجليزية المترجم المحترف والشاعر د. عابد إسماعيل، أما زيارة الشاعرة لإسبانيا فقد موّلتها جهات ومؤسسات ثقافية عدّة من بينها: مؤسسة آرغويني التي أخذت اسمها هذا من اسم الشجرة الوطنية لفنزويلا، وأسّسها العربي الغاليسي غالب جابر، وتقول ناتالي حنظل إنه موّل زيارتها بسخاء، وتمثل المؤسسة فضاءً خلّاقاً وباهراً لدعم الأدب الإسباني والغاليري والعربي.
أردت القول إن هناك تقليداً معروفاً عند الكثير من المؤسسات الخاصة المستقلة المعنية بالثقافة والأدب والفنون هو «الفنان الزائر»، أو «الفنان المقيم» الإقامة الإبداعية لوقت محدّد يحظى خلاله بالدعم المادي والمعنوي لإنجاز عمل أدبي أو فني، مثل تجربة «شاعرة في الأندلس».
[email protected]