عَزْف كَمان السلام المفقود

00:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. منصور جاسم الشامسي
جَوْدَة السلام، مثل جَوْدة موسيقى الكَمَان المُعْتَمِد على جودة خشب الصندوق، وإتقان الصنعة ومراعاة دقة مقاييس النسب بين القطع المكوّن منها، وضبط الأوتار. 
إِنهاء حالة أَيّ حرب، وتحقيق السلام، يتطلب فهمها بشكل قانوني شرعي واقعي صحيح، والمحافظة على الحياة الكونية المشتركة، ودَفع الضرر عنها وعن الوجود والمصير الإنساني المترابط، وجعل المصالح تشاركية.
الشاعر الفرنسي بُول إيلوار، رأى أوروبا تتجه نحو الحرب بحماسة في 1939، فقال: «اتخذت السعادة من الموت لافتة لها»، وأثناء انخراطه في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني، كان يقرأ في أوقات فراغه لشعراء عصر النهضة الأوروبي، فقد كان يَنشد السلام والجَمال وسط الظروف العصيبة. وقال الجنرال شارل ديغول، في بداية حرب 1914 – 1918، بنبوءة تحليلية ثاقبة: «ما هذه الحرب إن لم تكُن حربَ إِبادة؟» سار الأوروبيون إلى حربٍ ظنوها أياماً مَعدوداتٍ وتحت السيطرة، فإذا بها طويلة ومُجَزأة ومذبحة، سفكت دماء أكثر من 37 مليون نسمة. القرن العشرين، رغم تقدمه التقني، كان الأشد فتكاً ودموية في التاريخ البشري، قُتل فيه 160 مليون إنسان في حروب عديدة.
المؤرخ الإنجليزي إدوارد تومبسون، نشر مقالاً في 1980 عنوانه: «ملاحظات حول الإبادة.. أعلى مراحل الحضارة» وجّه فيه نداءً للقوى الحُرة في العالَم، للتصدّي لخطر الفناء البشري بسبب تراكم الأسلحة الفتاكة عند الدول، ومنها السلاح النووي، وإمكان استعمالها لإبادة الناس. يُمَهد للحروب الكبيرة والشاملة والإبادات الجماعية، بخطابات الكراهية وأنواع العقوبات والحصار والتَعدِّي والحروب التكتيكية، وعسكرة السياسة، وجعل «القرار العسكري» و«قرار الحرب» فوق المُساءلة القانونية والدستورية والبرلمانية والشعبية، ويصير السلاح النووي، والتهديد باستخدامه، ذا استقلالية مُرعبة، مُهَدِّدة للحياة البشرية. كل هذه التجاوزات تتم بمسوغات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعنصرية وطبقية وأيديولوجية ودينية.
في أغسطس/آب 2000، انعقد «مؤتمر بوكواش لإزالة أسباب الحرب» في جامعة كمبردج البريطانية، وشارك فيه أكاديميون وعسكريون، أبرزهم الجنرال البريطاني، السير وليام جيرالد هيو بيتش، الذي أجرى أبحاثاً فِي السياسات الدفاعية، وتحديد التسلح، وضوابط الحرب الأخلاقية، وخرج المؤتمر بتوصية مهمة: «لقد أثبتت الأسلحة النووية أنها عديمة الفائدة تماماً، كوسيلة ردع للتهديدات وحجم العنف الذي نواجهه». وصرحت «لجنة كارنيكي»، برئاسة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق سايروس فانس، والدكتور ديفيد هامبروغ؛ الطبيب والباحث في الأمراض النفسية، بأن «السَّلام يستلزِم تفهُّماً واحتراماً كبيرين للفوارق الواقعة داخل الحدود الوطنية وخارجها. لم نعد نستطيع، نحن البشر، الانغماس في أحكامنا المُسْبَقة، وإِيماننا بالتفوق العرقي، وتلك مفارقات تاريخية وفوضويات ماضينا القديم. إنّ سِجلَّ العالَم التاريخي مملوء بالأعمال البغيضة والهَدَّامة القائمة على التمييز الديني والعنصري والسياسي والأيديولوجي، وعلى أشكال أخرى من التمييز».
التجارب النووية الجوِّية، أو تحت الأرض، استمرت. وذكرت نشرة علماء الذرة، أن عدد التجارب النووية الجوِّية بلغ 528 وتحت الأرض 1523 ما بين 1945 – 1998 وهذا مُسبب لانتشار أمراض مستعصية، والتهديد يكمن في وجود الأسلحة النووية وتخزينها، لغايات الردع، واستخدامها وارد عمداً أو سهواً. 
والحروب المعاصرة (1939 – 2026) استخدمت أسلحة فتاكة ومُحَرمة ضد المدنيين. وقال وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت س. مَكْنَمارا عام 1992: «إن عدم تحديد العلاقة بدقَّة بين وجود الأسلحة النووية وقابلية الخطأ عند الإنسان سوف يؤدي إلى مبادلة نووية». اقتناء الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية، وتأثير نظريات «الهيمنة» ودور «المجمع العسكري–التقني»، و«التحالفات بين المؤسسات العسكرية والسياسية والتكنولوجية والمالية»، وتقنيات الحرب الحديثة، يُؤدي إلى تصعيد غير محسوب، وصدامات عنيفة وحروب استباقية.
زيادة الإنفاق العسكري أدت إلى خفض «التمويل الاجتماعي والتعليمي والصحي» العالمي. في أكتوبر/تشرين الأول 2025، قالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين: «إن العالم يواجه أزمة جوع غير مسبوقة فيما تتضاءل الموارد»، وإن خفض التمويل يهدد بدفع نحو 13.7 مليون شخص إضافي إلى مرحلة الطوارئ من الجوع الشديد، وعدد من يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي بلغ 319 مليون شخص، بينهم 44 مليوناً في مستويات الجوع الطارئة، فيما تضاعف عدد من هم في حالة مجاعة أو على وشكها خلال عامين ليصل إلى 1.4 مليون شخص في خمس دول، بينها غزة، وإن تَفاقم الجوع لا يهدد الأرواح فحسب، بل يُقوّض الاستقرار، ويهدد بمحو عقود من التقدم في مكافحة الجوع.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"