الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

منصور بن زايد وحماية الشركات العائلية

21 أبريل 2026 22:21 مساء | آخر تحديث: 21 أبريل 22:23 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في خطوة تعكس نضج المنظومة التشريعية في إمارة أبوظبي، أصدر سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، بصفته رئيس دائرة القضاء، القرار رقم (3) لسنة 2026 بشأن تشكيل لجان فض نزاعات الشركات العائلية في إمارة أبوظبي، كمبادرة نوعية تستهدف أحد أكثر الملفات حساسية في بيئة الأعمال المحلية.
ولا ينظر إلى هذا القرار بوصفه إجراءً تنظيمياً تقليدياً، بل هو تدخل تشريعي مدروس لحماية ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، حيث تمثل الشركات العائلية النسبة الكبرى من النشاط الاقتصادي في الدولة، وتمتد آثارها إلى قطاعات متعددة، من العقار إلى الصناعة والتجارة والخدمات.
في جوهره، يعالج القرار إشكالية معقدة طالما واجهت هذا النوع من الشركات، وهي النزاعات الداخلية التي تنشأ بين الشركاء من أفراد العائلة، خاصة عند انتقال الملكية بين الأجيال، فهذه النزاعات، وإن بدت في ظاهرها قانونية، إلا أنها في حقيقتها تتشابك مع اعتبارات اجتماعية وعاطفية، ما يجعل معالجتها عبر المسار القضائي التقليدي أقل كفاءة وأطول زمناً.
ومن هنا، جاء إنشاء لجان متخصصة تضم قضاة وخبراء في الجوانب القانونية والمالية، لتوفير منصة أكثر مرونة وقدرة على استيعاب طبيعة هذه النزاعات. ويُحسب لهذا التوجه أنه ينقل التعامل مع النزاع من إطار الخصومة القضائية إلى إطار الحلول المتوازنة التي تراعي استمرارية الكيان الاقتصادي.
كما منح القرار هذه اللجان صلاحيات عملية مؤثرة، تشمل اتخاذ تدابير وقتية ومستعجلة للحفاظ على استمرارية الشركات ومنع تعطل أعمالها، وهو ما يعكس فهماً عميقاً لخطورة توقف النشاط التجاري خلال النزاعات. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بحسم الخلاف، بل بضمان بقاء الشركة ذاتها.
وفي سياق متصل، يبرز توجه واضح نحو تعزيز ثقافة التسوية الودية، حيث أعطى القرار أولوية لما يتم الاتفاق عليه في عقود تأسيس الشركات أو أنظمتها، مع فتح الباب أمام حلول قائمة على الوساطة عند غياب تلك النصوص. وهذا يعكس تحولاً مهماً في الفكر القانوني، من فرض الحلول إلى تشجيع الأطراف على صناعتها بأنفسهم.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً، التركيز على عنصر السرية في إجراءات اللجان، وهو عامل بالغ الأهمية في هذا النوع من النزاعات، نظراً لما قد يترتب على العلنية من تأثيرات سلبية على سمعة الشركات وثقة المتعاملين معها. فالقرار يدرك أن حماية السمعة لا تقل أهمية عن حماية الحقوق.
وعلى صعيد بيئة الاستثمار، يرسل القرار رسالة واضحة بأن أبوظبي لا توفر فقط بيئة جاذبة للأعمال، بل تمتلك أيضاً منظومة متكاملة لإدارة النزاعات بكفاءة وسرعة، بما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.
في المحصلة، يمكن القول إن هذا القرار يمثل خطوة متقدمة في تنظيم الشركات العائلية، ليس فقط من زاوية فض النزاعات، بل من حيث ترسيخ مفاهيم الحوكمة والاستدامة. وهو في الوقت ذاته دعوة ضمنية للمؤسسين لإعادة النظر في هياكل شركاتهم وآليات إدارتها، بما يضمن انتقالاً سلساً بين الأجيال، ويقلل من احتمالات الخلاف.
إن حماية الاقتصاد تبدأ من حماية وحداته الأساسية، والشركات العائلية في دولة الإمارات تمثل أحد أهم هذه الوحدات. 
* مستشار قانوني

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه