الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

القوميون البيض وسؤال الهوية الأمريكية

21 أبريل 2026 01:24 صباحًا | آخر تحديث: 21 أبريل 01:25 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يخفي تخبّط واشنطن على المستوى الدولي أزمة عميقة داخل المجتمع الأمريكي، حيث يمكننا ملاحظة زيادة الصراع حول مشروع المجتمع بين تيارين مختلفين تزداد حدة الاستقطاب بينهما إلى درجة بدأت تهدّد السلم الأهلي في أقوى دولة في العالم، فهناك من جهة أنصار القوميين البيض الذين يرفضون التعدّد الثقافي والعرقي ويدافعون عن مرجعية أمريكية ذات أصول ثقافية أوروبية وبيضاء، ونجد من جهة أخرى دعاة الليبرالية المنفتحة على التنوّع الفكري والثقافي وقبول الآخر المختلف، ويرون أن أمريكا تأسّست على قبول المهاجرين القادمين من كل بقاع العالم دون تمييز بين الأفراد على أساس اللون والعرق أو الانتماء الديني. ويطرح الصراع بشأن طبيعة المجتمع أسئلة وجودية حول الهوية الحضارية للأمة الأمريكية، ويتجلى هذا الصراع بشكل واضح من خلال سياسة الهجرة التي يتبناها الرئيس ترامب، الأمر الذي يجعل المواجهة تتصاعد بين القوميين البيض الذين يتميّزون بنزوع واضح نحو الاستبداد وبين المدافعين عن المثل الديمقراطية وعن التعدد العرقي.
ومن الواضح أن السياسة المتشدّدة التي تطبقها الإدارة الأمريكية بشأن ملف الهجرة والقمع الذي تمارسه ضد المهاجرين، يمثلان إلى حد كبير نقطة الذروة في التوترات العرقية في أمريكا في سياق معركة أيديولوجية ذات تأثير أوسع تمس الهوية والقيم المؤسِّسة للديمقراطية الأمريكية. وقبل أن نستعرض بعض تجليات الصراع الهوياتي في الولايات المتحدة، نتوقف قليلاً عند مفهوم الهوية التي يقول عنها جان فرانسوا دورتيه، إنه شهد توظيفاً قوياً منذ التسعينات من القرن الماضي ليشير إلى ظواهر مثل الصراعات الإثنية والوضعيات والأدوار الاجتماعية على غرار الهوية الذكورية وثقافة المجموعة من قبيل الهوية القومية والدينية أو اضطرابات الهوية الشخصية، لنكون بذلك أمام 3 مستويات لتجلي الهوية: الهوية الجماعية، الهوية الاجتماعية، والهوية الشخصية، وتعتبر الهوية الجماعية هي المؤطرة لهويات الأقليات والقوميات.
يرى برتراند بادي في سياق متصل أن مفهوم الهوية السياسية يلعب دوراً كبيراً في الحياة السياسية على الرغم من الالتباسات التي يحملها، إنه يستجيب في واقع الأمر إلى مسعى يتعلق بترسيخ سلوكيات الأفراد في شكل من أشكال التناسق والانسجام والاستمرارية، فأن تكون مواطناً أمريكياً، على سبيل المثال، فذلك يحمل دلالة إيحائية بوجود أوجه تشابه أساسية مع كل الأمريكيين رغم اختلاف الطبقات والوضعيات والتربية إلخ، ليس فقط مع المعاصرين، ولكن أيضاً مع أجيال الماضي والمستقبل. ويحضر مفهوم الهوية هنا ليس فقط من أجل تأكيد شيء ما ثابت ويمثل قاسماً مشتركا بين الأفراد، ولكن أيضاً بهدف إبعاد كل الاختلافات ووضعها في زاوية خلفية.
ويشير المتابعون للشأن الأمريكي إلى أن المواجهة ذات الطابع الهوياتي بين القوميين البيض وبين الليبراليين، هو في حقيقة الأمر خلاف يتصل بمسألة تعريف الأمة، حيث يرى الطرف الأول أنها قائمة على العرق والثقافة الأصلية الأنجلوساكسونية للمهاجرين البيض من أوروبا، بينما يرى الطرف الثاني أنها قائمة على القيم الكونية، وعلى المؤسسات والانفتاح المؤمن بالمواطنة واحترام الدستور.
ونعتقد في هذا الإطار أن سياسات ترامب في مجال الهجرة تزيد من حدة التوتر الهوياتي في المجتمع الأمريكي وتعزّز حجج القوميين البيض، وتدعم رواياتهم المتعلقة بالتهديد الوجودي، وتجعل خطابهم أكثر قبولاً لدى السكان البيض، وتفضي هذه السياسات أيضاً إلى إعادة النظر في حقوق المواطنة المكتسبة وتبدو الجنسية الأمريكية وكأنها منحة سخية من الدولة، وليست حقاً يكفله الدستور الأمريكي، كما تعزّز هذه السياسات التصادم بين ما هو محلي وما هو عالمي بشكل يجعل الليبراليين يدعمون تصوراً مدنياً منفتحاً للهوية، بينما يدافع القوميون عن الخصوصية العرقية والدينية، ويمارسون، انطلاقاً من ذلك، تمييزاً خارجاً عن القانون تجاه الأقليات المنحدرة من أصول لاتينية وإفريقية ومسلمة وحتى آسيوية بشكل يدفع هذه الأقليات إلى الارتماء في أحضان الليبراليين الذين يدعمون أحياناً هويات جندرية تتعارض مع قيمهم الدينية.
نخلص بناءً على ما تقدم، إلى أن النقاش الهوياتي في أمريكا بدأ يخرج عن طابعه الفكري والسياسي، وبات يأخذ صبغة الاستقطاب العرقي الذي يجعل عدداً من المواطنين الأمريكيين يشعرون بتهديد وشيك لوجودهم، وهو ما قد يؤثر سلباً في الاستقرار والسلم في المجتمع.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه