تسعى الدبلوماسية الفرنسية منذ خروجها من العديد من دول غرب إفريقيا، إلى إعادة التموضع في القارة السمراء بعد أن أجبرتها الانقلابات والتحوّلات السياسية التي شهدتها بعض مستعمراتها السابقة في منطقة الساحل على إغلاق معظم قواعدها العسكرية لتنتقل بذلك، وفق تعبير بعض المتابعين، من مرحلة الحضور العسكري إلى مرحلة الدعم الدبلوماسي لدول القارة التي ما زالت تربطها علاقات ودية بباريس، بهدف إعادة رسم وتشكيل علاقات فرنسا في القارة، لاسيما بعد مرور ثلاث سنوات على وقوع انقلاب النيجر الذي مثل نقطة تحوّل كبرى في مسار الوجود الفرنسي في غرب إفريقيا بشكل خاص وفي القارة بأكملها بوجه عام.
وتعتمد السياسة الخارجية الراهنة لفرنسا على مقاربة جديدة في تعاملها مع ملفات القارة، تقوم على تواجد أقل من الناحية العسكرية واعتماد أكبر على الشراكات الاقتصادية مع انفتاح واسع على شرق إفريقيا والدول الناطقة بالإنجليزية التي لا تُدخل في علاقاتها مع فرنسا حسابات الذاكرة، وهذا ما يفسّر إلى حد بعيد اختيار كينيا كمقر لانعقاد القمة الفرنسية- الإفريقية الأخيرة، التي احتضنت فعاليتها العاصمة نيروبي يومي 11 و12 مايو/ أيار الحالي، وتزامنت مع جولة للرئيس الفرنسي إلى عدد من دول شرق إفريقيا شملت إلى جانب كينيا، كلاً من مصر وإثيوبيا. وجرى تقديم هذه الجولة الدبلوماسية للرئيس ماكرون من قبل أطراف حكومية في باريس على أنها تمثل حصاداً لسياسة ماكرون في إفريقيا قبل سنة من مغادرته لمنصبه في قصر الإليزيه.
وترى بعض الأوساط الفرنسية أنه وخلف الشعارات الدبلوماسية التي تم اعتمادها بمناسبة انعقاد قمة نيروبي، والتي تمحورت حول عناوين براقة مثل: الابتكار، التنمية، الشباب، المناخ، الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الأزرق، تتجلى الخطوط العامة لإعادة التموضع الفرنسي في إفريقيا والقائمة على تبني سياسة إفريقية جديدة تعتمد على الواقعية السياسية التي تُفضل المصالح والشراكات الاقتصادية على الأولويات اللغوية والثقافية التي جعلت باريس تركز لأكثر من 6 عقود على الدول الفرانكفونية. وبخاصة أن الدول الناطقة بالإنجليزية في شرق إفريقيا تشهد نهضة اقتصادية مثيرة للإعجاب، ويمكنها أن تشكل سوقاً واعدة للمنتجات الفرنسية، بعد أن بدأت الفرص الاستثمارية في دول مثل ساحل العاج والكاميرون والغابون والتشاد، تشهد انحصاراً ملموساً بسبب الاضطرابات السياسية في هذه الدول.
وإذا كانت البلاغة الرسمية للإليزيه قد تحدثت رسمياً عن أهداف فضفاضة لقمة كينيا، مثل إقامة علاقة متوازنة مع الدول الإفريقية ومفيدة لكل الأطراف، فإن الرهانات الحقيقية للقمة كانت مرتبطة بأبعاد جيوسياسية حيوية، لأن فرنسا تعمل بجدية من أجل تأمين مصالحها الاقتصادية في المجالات التي تتميز بأولوية استراتيجية مثل التحوّل الطاقوي والمعادن والأتربة النادرة، وبالتالي فباريس لا تريد أن يتم تهميشها من طرف الصين التي تموّل بناء الموانئ والطرقات والصناعات التحويلية في العديد من الدول الإفريقية، وتنظر بحذر لواشنطن التي تعمل بجدية للعودة إلى القارة الإفريقية عبر بوابة الأمن والاقتصاد.
ويمكن القول إن نقطة القوة الرئيسية التي تمتلكها فرنسا في سياق المنافسة التي تجمعها مع الصين وروسيا في إفريقيا، تتمثل في أنها تعتبر من البلدان القليلة في العالم التي تمتلك تفوقاً في مجال صناعة الطاقة، فهي من جهة تتوفر على كفاءات مشهود لها في مجال الطاقة النووية المدنية، وتمتلك من جهة أخرى تقنيات متطورة في مجال الطاقات المتجددة، وتتوفر على خبرة طويلة في مجال الربط الكهربائي، وتستطيع أن تساعد الدول الإفريقية على توفير حاجياتها المتزايدة من الطاقة الكهربائية بشكل اعتمادي ووفق معايير معترف بها دولياً، وهي متطلبات قد يصعب على روسيا والصين توفيرها في المرحلة الحالية. ومن ثم فإن باريس تقول إنها تراهن على النوعية لا على الكمية كما تفعل بكين.
بيد أنه ورغم التفاؤل الفرنسي بشأن الشراكة مع إفريقيا، إلا أن التحديات الحقيقية على أرض الواقع، تفيد بأن حصة باريس من السوق الإفريقية تقلصت إلى النصف خلال العشرين سنة الماضية ولم تعد تتجاوز 4 في المئة، كما أن أرقام الاستثمار التي جرى الإعلان عنها في نيروبي، تمثل في مجملها نوايا استثمار للشركات الكبرى وليست مبالغ مالية يمكن الاستفادة منها بشكل فوري، وفضلاً عن ذلك فإن مديونية فرنسا وصلت إلى مستويات قياسية تجعلها عاجزة عن تقديم مساعدات ملموسة لشركائها الأفارقة، في الوقت الذي ينتظر فيه الشباب الإفريقي فرصاً حقيقية لا مجرد وعود.
ويذهب المراقبون إلى أن التحدي الأكبر الذي ستواجهه فرنسا في إفريقيا مستقبلاً، لا تمثله الصين فقط ولكن الولايات المتحدة التي تعلم جيداً أن القارة تمتلك 30 في المئة من احتياطات المعادن في العالم، لاسيما وأن واشنطن تتبنى مقاربات استراتيجية أكثر جرأة للاستثمار في القارة يصعب على فرنسا مجاراتها تكنولوجياً ومالياً، وقد تكون جاهزة للتطبيق بعد انتهاء ولاية ترامب الذي تثير سياسته مخاوف سيادية بالنسبة للدول الإفريقية.
