في تقريره نصف السنوي حول آفاق الاقتصاد العالمي، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن أداء بريطانيا سيكون الأسوأ بين نظرائه من الاقتصادات المتقدمة. رغم هذا الوضع الاقتصادي لبريطانيا، تظل بالنسبة للغرب، وربما العالم كله، مرجعية في «الديمقراطية التمثيلية» التي تميز الرأسمالية الغربية.
ربما هذا الإرث القانوني والسياسي لبريطانيا يعمل كسلاح ذي حدين. فبقدر ما يفيد بأن يجعلها وجهة للآخرين للاستفادة من قطاعها الخدمي والمالي، فهو يضر بأن يجعل نظامها في بؤرة الضوء وقياداتها تحت ضغط الالتزام والصرامة.
لعل ذلك هو ما يحدث الآن لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في فضيحة تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لدى واشنطن نهاية عام 2024. مع أن ماندلسون أقيل من منصبه بعد ظهور اسمه في وثائق إبستين، إلا أن قضيته لم تنته. فبدايةً، ألقت الشرطة القبض عليه ثم أفرجت عنه تحت التحقيق، ليس في قضايا الإجرام الجنسي المرتبطة بإبستين؛ بل لأن الوثائق كشفت عن تسريبه معلوماتٍ في غاية الحساسية لتاجر الجنس الأمريكي، بالتأكيد استخدمها لتحقيق مصالح مالية له ولعصابته من رجال المال والأعمال. وما سرّبه ماندلسون لإبستين لا يقتصر على وثائق حكومية بريطانية، وإنما أيضاً أسراراً اقتصادية أوروبية.
أما ما يتعلق بأزمة ستارمر، فليس كل هذا، إنما محاسبته سياسياً على تعيينه لشخص لم يتجاوز الفحص الأمني الذي يجري لكل من يتولى منصباً رسمياً. لا شك أن ستارمر بعد فوز حزب العمال وتوليه السلطة العام قبل الماضي أراد تعزيز علاقته مع أمريكا، فاختار شخصية من دائرة توني بلير في الحزب لها علاقات بدوائر الفساد حول السلطة الأمريكية الجديدة.
بعد الكشف عن أن ماندلسون لم يتجاوز التدقيق الأمني قبل أيام، يدافع ستارمر عن نفسه بأنه «لم يكن يعلم»؛ لذا أقال كبير موظفي وزارة الخارجيـة معتبـراً إيــاه مسؤولاً عن عدم إبلاغه بقلق الأجهزة بشأن تعيين ماندلسون في منصب رسمي. لكـن الوزارة والأجهزة المعنية التي تُجري ذلك التدقيق والفحص لا تبــرئ ستارمر وجهاز حكومته. فرئيس الـــوزراء «أراد تعيينــه سفـــيراً واتخذ القرار رغم كل شيء»، كما قال أحد كبار الموظفين في شهادة له أمام لجنة برمانية قبل شهور طويلة من الفضيحة.
أحـزاب المعارضة بالطبـع أشهرت سكاكينها على ستارمر ضغطاً عليه كي يستقيل. والدفع الآن بأنه «كذب» على البرلمان، وضلل الشعب البريطاني بشأن تعيين سفير لأمريكا. وذلك كفيل بالقضاء نهائياً على الحياة السياسية لأي مسؤول، خاصة رئيس الوزراء.
يصّر ستارمر على أنه لم «يخدع البرلمان ولا الشعب»، وأنه وقع ضحية إخفاء أمر فشل ماندلسون في الفحص الأمني عنه، فاتخذ قراراً خاطئاً بسبب تضليل الموظفين له، يستخدم ستارمر دفعاً قانونياً، وهو كان سابقاً قبل دخول السياسة رئيس هيئة الادعاء في القضاء البريطاني. لكن الدفع القانوني لا يعفي من المسؤولية السياسية.
ففي النهاية، سواء عرف ستارمر بالمخاوف الأمنية بشأن مادندلسون وضلل البرلمان والشعب أو لم يعرف، فقد فشل في قيادته للحكومة وإداراتها وموظفيها. وهذا أيضاً كفيل بأن يجعله يستقيل. خاصة أنه ليست أحزاب المعارضة فقط من تتصدى له، بل إن عدداً من أعضاء حزبه ونوابه في البرلمان يعارضون ستارمر وإحاطته قيادته بمجموع «أنصار بلير» من الحزب على حساب الأجنحة الأخرى.
يتعلق كل ذلك بالسياسة البريطانية الداخلية، وهناك عامل آخر غير ظاهر تماماً، وهو أن فشل القيادة ليس قاصراً على حزب حاكم أو ضغط معارضة أو عدم كفاءة رئيس وزراء. إن الأمر برمته يهدد تلك «الريادة» البريطانية في المجال الأوسع للديمقراطية الغربية. لذا، فإن استقالة ستارمر يُنظر إليها على أنها أيضاً إنقاذ لقيادة بريطانيا، على الأقل عند مستوى السياسة النظرية بعدما فقدت الريادة الاقتصادية. وكما قال معلق بريطاني مخضرم: «هذه ليست أمريكا، ولا هو (ستارمر) ترامب».
ربما تلك هي الميزة الأخيرة الباقية لبريطانيا بين ما يسمى «العالم المتقدم» اليوم، وإذا لم يستقل كيير ستارمر من منصبه فسيضر بها ضرراً شديداً.
