تمضي الهيئة الاتحادية للضرائب بخطى واثقة نحو إعادة صياغة مفاهيم الإدارة الضريبية، مستندة إلى رؤية وطنية طموحة تضع الابتكار الرقمي في صميم محركات الاقتصاد في دولة الإمارات. ولم تعد كفاءة المنظومات الضريبية تُقاس فقط بقدرتها على تحصيل الإيرادات، بل بمدى مساهمتها في تعزيز الوضوح التشريعي، وتقليل كلفة الامتثال، وتمكين بيئة أعمال أكثر استقراراً وقدرة على التخطيط طويل الأجل. ويُعد التحول الجوهري من الأنظمة التقليدية إلى نموذج «الضرائب الذكية» التزاماً مؤسسياً يجسد مستهدفات رؤية «نحن الإمارات 2031» و«مئوية الإمارات 2071» في بناء اقتصاد معرفي مستدام وتنافسي. وتنفيذاً لتوجيهات القيادة الرشيدة في استباق متطلبات المستقبل، تم توظيف التكنولوجيا التنبئية وتقنيات الذكاء الاصطناعي كقاعدة أساسية لضمان دقة البيانات، ورفع كفاءة الامتثال، وترسيخ مكانة دولة الإمارات كبيئة استثمارية عالمية ترتكز على الشفافية الرقمية كدعامة للنمو.
منظومة «تارا» الذكية
وتواصل الهيئة تعزيز خدماتها الرقمية من خلال مساعدها الافتراضي «تارا»؛ حيث توفر دعماً فورياً ودقيقاً لدافعي الضرائب على مدار الساعة، بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحديث مستمر للمحتوى لضمان موثوقية المعلومات. ولم يعد دور «تارا» مقتصراً على الإجابة عن الاستفسارات فقط، بل تطور الدعم ليشمل تقديم خدمات إجرائية مباشرة، مثل تمكين المتعاملين من التحقق من حالة الطلبات بشكل فوري، ما يسهم في تقليل الحاجة إلى التواصل مع مركز الاتصال، وتسريع إنجاز المعاملات.
وخلال عام 2025، أجرت «تارا» أكثر من 209,767 محادثة بإجمالي 402,967 تفاعلاً، بنسبة دقة في الردود بلغت 84%، مع نمو بنسبة 35.13% مقارنة بعام 2024.
ويعكس هذا الأداء المتقدم نجاح الهيئة في تبني الحلول الذكية لتعزيز كفاءة الخدمات، وتحقيق مستويات أعلى من رضا وسعادة المتعاملين، بما يدعم توجهات الحكومة نحو تقديم خدمات رقمية متكاملة ومتمحورة حول المتعامل. وتعمل الهيئة حالياً على توسيع قدرات «تارا» لتشمل خدمات إجرائية إضافية خلال الفترة المقبلة، في إطار سعيها لتقديم تجربة رقمية متكاملة، سهلة وسريعة، تعزز رضا وسعادة المتعاملين.
وتبرز منصة «إمارات تاكس» كأداة محورية في أتمتة العمليات؛ حيث نجحت الهيئة في توظيف تقنيات تحليل البيانات المتقدمة لمراقبة سلوكيات وأنماط امتثال المسجلين بدرجة عالية من الدقة. فمن خلال تطوير منصة ذكية لتحليل سلوك ما يقارب 700 ألف دافع ضرائب، أصبح بالإمكان رصد حالات عدم الامتثال والتنبؤ بالمخاطر المحتملة؛ استناداً إلى الأنماط التاريخية والبيانات اللحظية. ومن هذا المنطلق، لم يعد تحليل البيانات مجرد أداة تقنية، بل أحد الممكنات الرئيسية لصياغة سياسات مالية أكثر دقة واستجابة للمتغيرات الاقتصادية. وقد أسهم هذا النهج التحليلي القائم على «الذكاء الاستباقي» في تقليص الاعتماد على الإجراءات اليدوية والتدخل البشري، بما يعزز كفاءة الامتثال ويرسخ الثقة في المنظومة المالية الوطنية.
الكفاءة الرقمية
ويتجلّى جوهر «الضرائب الذكية» بوضوح في قدرة المنظومة على تحويل الإجراءات المعقدة إلى مسارات ميسرة وفائقة السرعة، وهو ما يجسد توجه دولة الإمارات نحو «تصفير البيروقراطية». ويظهر ذلك في تبني تقنيات الأتمتة الروبوتية (RPA) التي أسهمت في مراجعة قرابة 66 ألف طلب تسجيل لضريبة الشركات خلال العام الماضي بدقة وكفاءة عاليتين، ويمتد هذا التفوق الرقمي ليشمل تفعيل منظومات الربط الإلكتروني مع الجهات المعنية في الدولة، ما أتاح للهيئة الاستفادة من تدفق البيانات المتبادلة في إرسال دعوات تسجيل استباقية للخاضعين للضريبة قبل حلول المواعيد النهائية، وهو نهج يعزز سلاسة الامتثال، بالتوازي مع تقليص زمن تقديم خدمات نوعية، مثل تسجيل السلع الانتقائية، من 45 دقيقة إلى 10 دقائق فقط. ومن هذا المنظور، يُسهم تقليص الزمن الإجرائي في خفض كلفة الامتثال، وتعزيز كفاءة بيئة الأعمال، ودعم قدرة الشركات على التخطيط ضمن إطار تنظيمي أكثر وضوحاً واستقراراً. إن هذا التسارع الإجرائي يعكس الجاهزية الرقمية العالية في استيعاب التوسع الاقتصادي؛ حيث نجحت الهيئة الاتحادية للضرائب في إدارة قاعدة بيانات ضخمة شهدت معالجة أكثر من 1.7 مليون معاملة خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 20% مقارنة بالعام السابق، بما يؤكد مرونة الأنظمة وقدرتها على مواكبة المتغيرات التشريعية بكفاءة.
الشفافية التقنية
ويرتكز ترسيخ مكانة الدولة كوجهة عالمية للاستثمار على توفير بيئة مالية تتسم بالعدالة والوضوح. وتؤدي الأنظمة الذكية دوراً محورياً في تحقيق هذا التوازن، عبر توظيف شاشات تحليل متقدمة توجه جهود التدقيق نحو الحالات عالية الخطورة فقط، وفي هذا السياق، يرتبط وضوح الأطر التنظيمية بارتفاع مستويات الثقة بالسوق. ما يضمن حماية قطاع الأعمال الممتثل وتعزيز الشفافية في السوق. وتكتمل هذه المنظومة باتصال توعوي ذكي ومباشر، عبر القنوات الرقمية، ما يسهم في بناء ثقافة امتثال طوعي قائمة على الشراكة الاستراتيجية بين الهيئة وقطاع الأعمال. ويساعد هذا النهج على تقليل الأعباء الإدارية على الشركات، ويوفر بيئة عمل تتسم بالقدرة على التنبؤ والاستقرار التشريعي، وهي عناصر أساسية لجذب الاستثمارات النوعية طويلة الأمد.
استشراف المستقبل
يمثل توظيف التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي الاستباقي ركيزة أساسية لضمان استدامة النمو الاقتصادي؛ حيث تتيح البنية التحتية الرقمية المتطورة للهيئة، والمدعومة بأعلى معايير الأمن السيبراني، استمرارية الأعمال تحت كافة الظروف والسيناريوهات، ما يعكس توازناً دقيقاً بين كفاءة الأداء وحماية أمن البيانات. إن هذا الالتزام بالتميز المؤسسي جعل من تجربة دولة الإمارات نموذجاً عالمياً متقدماً يُحتذى به في كفاءة الإدارة الضريبية، حيث يتم تسخير التكنولوجيا لأتمتة المهام ودعم الامتثال، وفي الوقت ذاته، لتمكين قطاع الأعمال وتحفيز الابتكار الاقتصادي.
وتستمر الهيئة الاتحادية للضرائب تطوير أطر تنظيمية وتقنية تدعم حماية الاقتصاد الوطني، وتعزز فاعلية السياسات الضريبية كأداة للتنمية وتنويع الإيرادات السيادية. وفي ظل اقتصاد عالمي متسارع التحول، تزداد أهمية توظيف البيانات في دعم قرارات مالية أكثر دقة واستدامة. ويعكس الاستثمار في «الضرائب الذكية» توجهاً استراتيجياً نحو بناء منظومة مالية أكثر مرونة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية، حيث تتحول البيانات إلى مورد استراتيجي يدعم صناعة القرار ويعزز كفاءة التخطيط طويل الأجل. ونؤمن بأن التكامل بين التكنولوجيا المتقدمة والرؤية الاستراتيجية يرسخ موقع دولة الإمارات كمركز مالي عالمي يلتزم بأعلى معايير الحوكمة والنزاهة، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي، ويعزز مرونة الاقتصاد للأجيال القادمة.
* المدير العام للهيئة الاتحادية للضرائب
عبدالعزيز محمد الملا