يوجد خلط واضح، وعلى نطاق واسع، بين العلم، وتحديداً في مجال علم النفس التطبيقي، وبين التنمية البشرية بوضعها الراهن، وما نشاهده في واقعنا اليوم في كثير من الجوانب، فالعلم، كما هو معروف، يركز على التجربة والقياس والدليل، بينما التنمية البشرية، وفق بعض المشاهدات الحالية، فتعتمد على قوة الخطاب والحماسة، والقصص المؤثرة، وهذه المواضيع التي تطرح لا تخضع لأي تقييم أو مراجعة أكاديمية معرفية وكأن المواصفات والشروط لمن يقدم نفسه في مجال التنمية البشرية تعتمد على اللسان، ومهارة صياغة الحكم، التي تأتي وكأنها معلبة تمس العواطف، وتمر بشكل سطحي على التفاصيل الدقيقة، وتتجاهل الواقع الاجتماعي والاقتصادي، بل واقع الملتحقين بمثل تلك الدورات.
نحن في عصر سريع التغير، وباتت حالات القلق والتشتت ماثلة وواضحة، ومعها تظهر الحاجة لحلول سريعة، وبحث عن مفاتيح يمكن استخدامها لفك التعقيدات المتزايدة، ومن مثل هذا الواقع تظهر التنمية البشرية، وكأنها تمنح الفرد هذه الحلول، وتعطيه تلك المفاتيح. وهذه ليست مشكلة، بل المشكلة أن يقتحم هذا المجال أناس غير متخصصين، ولا مؤهلين، ولا يملكون القدرات المعرفية والثقافية التي تؤهلهم للتصدي لمثل هذه الحاجة عند الناس، خاصة عندما نسمع أحدهم يتحدث عن الطاقة الذاتية، أو قوة الإرادة، وفي اللحظة نفسها يتجاهل الواقع، والظروف المحيطة، ولا يركز على التحديات وكيف يتم تجاوزها، بقدر ما يقدم خطاباً تشجيعياً حماسياً لا يمت للواقع بأية صلة، وقد يساء فهمه بسهولة.
ومع أن مثل هذا الخطاب جاذب للكثير من الناس، إلا أنه يحتوي على كثير من المشاكل، فهو يقوم بطريقة ناعمة بنقل المشكلة أو الواقع المتعثر إلى عقل المتلقي، وليس إلى جوانب حقيقية تحتاج للوعي والمهارة للتعامل معها. ودون أن يشعر المتلقي يجد نفسه أمام نفس المشكلة، دون أي حلول ولا مفاتيح ولا مهارات جديدة تمكنه من التعامل معها، لكنه يتخيل أن لديه الحلول أو الطريقة، ومن هنا تكبر الفجوة وتتسع.
لذا، نسمع عن البعض ممن يصفون أنفسهم بالفشل والتعثر، وأنهم جربوا كل شيء ولم ينفع، وأنهم دخلوا دورات تدريبية كثيرة دون جدوى. دون أدنى شك أن الدورة في مجال التنمية البشرية عندما تقوم على بيع محتوى جامد مكرر ليس وفق مقاس المتدرب، فإنها ستكون بعيدة عن قيمتها ورسالتها وهي بناء الإنسان. ومع الأسف، هذا ما يحدث في عدة دورات في هذا المجال.
