د. نسيم الخوري
قد لا يقبل رئيس دولة عظمى أو دولة إقليمية، أو حتى رئيس حزب مسلح قويّ بصواريخه، أن يخسر سنّاً من فكّه في هذا القرن. وقد ينسى معاني ارتباطه بالخارج وقد أغرته ملامح «العظمة» في عالمٍ راح يُشرّع الحروب الهائلة التي راحت تشارف العالمية، لكنه لن يتمكن من قبول الشعور بخسارة قوله، أو موقعه الذي غالباً ما يربطه بمستقبل وطنه، وأوطان غيره وشعوبها، لاعباً بنسف السلام في العالم مهما جاءت الأسباب والنتائج في تصويب أو توصيف العظمة الدولية، وصفّها عبر تساوق يتجاوز المألوف والمعروف.
طويلة هذه الجملة الاستهلالية؟ نعم لكنها تُفصح في ما تعنيه عن أنّنا لم نتمكن من الحزن ولا البكاء، أو الحداد الهادئ خلال مرحلة مرّة جدّاً عبر كوارث حرب الصواريخ في لبنان، ومنه وإليه، من القريب والبعيد. يمكنني الجهر بعد وقف تقاذف الصواريخ في لبنان بأنّ حال الشعوب بات لا يعنيها الحبر، ولا تُغريها أرباح «العظمة»، بقدر ما تغريها وسادة في مأوى على أبواب صيف، فيما يتجاوز المواقف والتحولات وأساطيلها في المحيطات. عبر اللبنانيون عتبة اختلطت فيها المعارك المُرعبة، بالمفاوضات السريّة، والتنازلات المبهمة الحاملة معاني الانتصار، قبل أن يتحاور الأحلاف لوقف النار.
بدا مشهد الوصول إلى وقف إطلاق النار في لبنان مزيجاً من دبلوماسيات كبرى صامتة تتحرك بين الخنادق الدولية، إذ ظهر الرئيس نبيه بري مهندساً لتوازن حكيم بين لغة الدولة ولغة المقاومة، وعبر المفاوضات الدبلوماسية التي قادتها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، لكونها الواجهة «المفاجئة» الرسمية بين قوسين لمسار أكثر أسراراً وتعقيداً. ليس لرجل رئيس للبرلمان، بل يختزن ذاكرة سياسية وعلاقات دولية مترسخة منذ الحروب الأهلية، وهو صاحب حكمة وازنة داخل البيئة اللبنانية والشيعية، وخارجهما. جعلت هدأته وجهة موثوقة دولية لا لنقل الرسائل، بل لضمان تنفيذها عند النضج.
أدرك حزب الله، حساسية البيئات اللبنانية الملتهبة، إضافة إلى تعقيدات المشهد الإقليمي، ما جعله أكثر قابلية للاستجابة حين وصلت الرسائل عبر قنوات يثق بها. وبري، بحكم موقعه، كان القادر على تقديم هذه الرسائل بصيغة لا تبدو إملاء خارجياً، بل خياراً وطنياً. هنا اكتسب خطاب رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون فرصة جدية واثقة لإعادة معنى الدولة ودورها، حيث إن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على توازن الردع فقط، بل على ترسيخ جذري لمؤسسات قوية لاحتضان جميع اللبنانيين، وصون سيادتهم ضمن إطار وطني جامع. التقى خطابه الرئاسي عند وقف النار، مع الدبلوماسية الخفية أمام نقطة جوهرية: الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الاستقرار. وإذا كان بري قد نجح في إعلانه «إطفاء الحريق» بعد المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن، فإن الوعد القاطع الذي أعلنه الرئيس عون هو منع اشتعاله مستقبلاً، وبين الدورين راح اللبنانيون يلملمون بقايا عاصمتهم ووطنهم، لتتكامل الصورة عبر تثبيت السلم ليبقى السؤال مفتوحاً: أيمكن تحويل النجاحات إلى مسارات مستدامة؟
لماذا أخيراً؟ لن أنسى الطاقة بيت القصيد في مناطق البحر الأبيض المتوسط الفائقة الغنى، إذ نذكّر بأن سواحل لبنان ومصر وفلسطين وسوريا تختزن أضخم ثروة غازية تقدر بما يتجاوز 70 ترليون م3، إلى ثروة أخرى نفطية تقدر بما يتجاوز 400 مليار برميل نفط، بينما يختزن العالم كميات من النفط يتوقع أن تنتهي بحلول عام 2050. وإذا كان الغاز الطاقة البديلة، فالمتوفر منه في البحر المتوسط يساوي كميات الغاز المكتشفة تقريباً في روسيا وإيران وقطر، ما يثبت عظمة البحر المتوسط الشرقي الهائلة في عطش الدول للطاقة في هذا العالم البائس. هكذا يمكننا، على المدى القريب، فهم التركيز العلمي والثابت على أهمية مضيق هرمز القصوى من ناحية، وعلى المدى القصير والمتوسط والبعيد، وأهمية السيطرة على دول البحر الأبيض المتوسط من نواح اخرى شديدة الأهمية.
