الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

خونة اللغة والعلاقة بين اللغة والواقع

28 أبريل 2026 00:43 صباحًا | آخر تحديث: 28 أبريل 00:44 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يتشكّل الوعي الإنساني، بعامة، عبر تلك العلاقة التي يقيمها العقل بين اللغة والواقع، وكل نشاط عقلي هو نشاط لغوي، بل قل: إن الواقع قد تحوّل، بفضل العقل، إلى لغة. واللغة ليست مجرد كلمات، بل هي جمل، والجمل هي أقوال وكلام.
وقد ميّز العرب بين القول والكلام، فالكلام ما كان مفيداً، أما القول فقد يكون مفيداً وقد لا يكون. ولهذا، فكل كلام قول، وليس كل قول كلاماً.
هذه المقدمة ضرورية للنظر في الخطابات المتعلقة بالواقع وما تجري به من أحداث. فهل التعبير عن الواقع، من الخبر إلى التحليل، يعكس حقيقته، أم يعكس رغبات وانحيازات تخون وظيفة اللغة بأقوال تجانب الصواب والحقيقة؟
فها نحن نعيش، منذ عقود من الزمن، صراعات متعددة وتحولات في كل مجالات الحياة. ولو نظرنا في اللغة المعبّرة عنها لرأينا العجب العجاب.
ففي عام 1967 شنت إسرائيل حرباً على كل من مصر وسوريا والأردن، واحتلت بنتيجتها سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان، أي احتلت مساحة تساوي ثلاثة أضعاف مساحتها. وتقول الوثائق إن الدول العربية الثلاث قد فقدت بين 15 و20 ألف شهيد، بينما فقدت إسرائيل 500 قتيل. وما زلنا نعيش، حتى هذه اللحظة، النتائج الكارثية لهذه الحرب، من احتلال الجولان إلى التهام الضفة الغربية وزرعها بالمستعمرات.
المفهوم الصالح والدال على نتائج هذه الحرب، بالنسبة إلى الجانب العربي، هو: الهزيمة، والدال على نتائجها بالنسبة إلى إسرائيل هو: الانتصار.
لكن المهزوم سماها نكسة حزيران، فالنكسة ليست سوى تراجع مؤقت قابل للتجاوز، كالنكسة الصحية للشخص، أو نكسة اقتصادية قابلة للتجاوز، فيما الهزيمة مفهوم يشير إلى نتيجة صراع بين طرفين وانتصار طرف على آخر. إن خطاب النكسة المتعلق بنتائج حرب 5 حزيران/ يونيو 1967 هو خطاب عدم الاعتراف بالواقع الذي تم، أي عدم الاعتراف بالهزيمة.
وليس هذا فحسب، بل طلع علينا خطاب أزيف من خطاب النكسة، ألا وهو خطاب فشل إسرائيل في تحقيق أهدافه، التي هي القضاء على نظامي الحكم التقدميين في سوريا ومصر. وهذا الخطاب ينفي واقعة الهزيمة وواقعة النصر، فلا يعود من فقد الأرض وما يترتب على هذا الفقد من نتائج مهزوماً، ولا يعود من احتلها منتصراً. إن خيانة الحقيقة الواقعية أدت إلى خيانة اللغة الدالة على الحقيقة.
أما الخطاب الذي يصدر عن إسرائيل فيما يتعلق باحتلال فلسطين، فهو مجرد أقوال لا تشير، من بعيد أو قريب، إلى حقيقة ما جرى. والحقيقة هي التالية: حركة عنصرية ظهرت في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر اسمها الصهيونية، طرحت قيام دولة لليهود في فلسطين، ووجدت تأييداً من بريطانيا التي فتحت لليهود الأوروبيين باب الهجرة إلى فلسطين. وكوّن المهجرون عصابات الهاغاناه، وفي عام 1948 احتلت العصابات جزءاً من فلسطين وأعلنوا قيام دولة أطلقوا عليها اسم إسرائيل. وما تبقى معروف. وفي عام 1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3379، واعتبرت بموجبه أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية.
تأملوا الأقوال الصادرة عن اليمين الصهيوني الحاكم المتعلقة بأرض الميعاد، والحق التاريخي لما قبل ثلاثة آلاف عام، والقدس العاصمة الأبدية، وأرض إسرائيل من الفرات إلى النيل، وقس على ذلك.
إن خونة الواقع المستمر للحق الفلسطيني ينتجون أسوأ خيانة للغة ووظيفتها المعرفية. وتصل خيانة اللغة المرتبطة بخيانة الواقع ذروتها، لا في تزييف الواقع ونكرانه فحسب، وإنما في تصديق الأوهام واعتبارها حقائق مطلقة، وتدبيج الخطابات الوهمية حولها. فالاعتقاد بالوهم لا ينتج إلا خطاباً من أقوال الوهم.
وهذا ما يصدر عن الوهم الأيديولوجي-اللاهوتي الذي يحكم الخطاب السياسي الإيراني المتعلق بالواقع والمستقبل.
وفي خيانة اللغة الصادرة عن خيانة الواقع يفقد الحوار معناه، لأنه يفقد وظيفة الكلام بوصفه فهماً وتفسيراً وتأويلاً للواقع الموضوعي. فالحوار العقلي حوار يتم بلغة واقعية عقلية، أي بالكلام.
وعندما يفقد الحوار ماهيته هذه، يولد الشجار، وليس الشجار إلا ظهور عنف القول المتعصب.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه