أوصى المجلس الوطني الاتحادي، خلال جلسته التاسعة التي عقدها أمس الأربعاء بقاعة زايد بمقر المجلس في أبوظبي، برئاسة صقر غباش رئيس المجلس، وحضور الشيخ سالم بن خالد القاسمي وزير الثقافة، وممثلين عن 5 جهات ذات علاقة، بإنشاء مجلس وطني للهُوية الوطنية واللغة العربية، وإعداد تشريع مستقل لحمايتها، وذلك في ضوء مناقشة موضوع سياسة الحكومة في تعزيز دور ومكانة اللغة العربية باعتبارها لغة رسمية للدولة ومكوناً أساسياً للهوية الوطنية.
وأكد صقر غباش، أننا نناقش موضوعاً يتجاوز حدود اللغة بوصفها وسيلة للتخاطب، إلى كونها ركناً أصيلاً من أركان الهوية الوطنية، ومقوماً أساسياً من مقومات الولاء والانتماء والمواطنة الصالحة، مضيفاً أن اختيار المجلس لهذا الموضوع للبحث والمناقشة جاء انطلاقاً من مشاهدات نعيشها في واقعنا اليومي داخل الأسرة وفي المدرسة وفي الفضاء الرقمي، حيث نلحظ تراجعاً في حضور اللغة العربية لدى بعض أبنائنا وبناتنا وفي قدرتهم على التعبير بها بثقة وعمق.
قال صقر غباش: لسنا هنا في موضوع خوف على اللغة العربية ذاتها، فهي لغة راسخة محفوظة بمكانتها وتاريخها ورسالتها، ولكن الخوف الحقيقي هو من ضعفها في ألسنة أبنائنا وأحفادنا، ومن أن تنشأ أجيال تعرف العربية معرفة سطحية ولا تمتلكها امتلاكاً يربطها بهويتها ووجدانها الوطني.وأضاف: لقد اعتمدت اللجنة لدارسة هذا الموضوع نهجاً جديداً في إعداد تقريرها، وهو نهج التقارير التأصيلية للموضوعات ذات الأهمية والمتشعبة المحاور والمتعددة الإشكاليات والجهات المعنية، وإن مناقشة هذا التقرير لا تأتي بوصفها إجراءً برلمانياً معتاداً، بل بوصفها مسؤولية وطنية تتصل بمستقبل أجيالنا وبقدرتنا على حماية لغتهم العربية حفاظاً على هويتنا وتعزيزاً للانتماء والولاء للوطن.
أمننا الثقافي
من جانبه، قال الشيخ سالم بن خالد القاسمي، في عرض قدمه في بداية الجلسة: أود التأكيد على ثلاث نقاط جوهرية: أولاً، مكانة اللغة العربية وحمايتها وتعزيز حضورها في المجتمع الإماراتي أولوية وطنية، ثانياً، حوكمة هذا الملف يجب أن تكون على أعلى مستوى وبمشاركة كل المعنيين لنضمن الإنجاز والوصول إلى النتائج المطلوبة، ثالثاً، نحتاج إلى تداخلات تشريعية وتنفيذية شاملة ومؤثرة تحمي أمننا الثقافي وهويتنا الوطنية، وفي الوقت نفسه تراعي سياسة الانفتاح التنموية.
وأضاف: انطلاقاً من رؤية الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وبتوجيهات القيادة الرشيدة، لم تتوقف المبادرات الوطنية في توفير البيئة الداعمة للغة العربية وممارستها وتعزيز حضورها، حيث إن الدولة تتمتع بالبيئة التشريعية والأصول الثقافية من مكتبات عامة ومتخصصة ومسارح ومراكز اللغة العربية والمنابر الإعلامية والسياسات التعليمية الرائدة وآليات تحفيز وتكريم الأدباء والممارسين للغة العربية.
مبادرات وطنية
أوضح وزير الثقافة، أنه اتحادياً نلاحظ اهتمام الحكومة بملف اللغة العربية من خلال التدخلات والمبادرات الوطنية وتطوير التشريعات ذات العلاقة، إضافة إلى إطلاق باقة من السياسات التحولية أبرزها ميثاق اللغة العربية والمجلس الاستشاري، وجائزة محمد بن راشد للغة العربية، وتحدي القراءة الوطني، وإطلاق القانون الوطني للقراءة، وباقة من المبادرات لتعزيز الحوار الإقليمي حول تحديات اللغة العربية أبرزها تقرير اللغة العربية، والقمم الوزارية وإعلان اللغة العربية، وإطلاق قانون تنظيم الإعلام الجديد والذي استبدل قانون المطبوعات والنشر 1980.
وأوضح: على الرغم من وجود البيئة الداعمة، فإن هناك الكثير من التحديات في ظل العولمة والانفتاح، ولذلك قمنا في وزارة الثقافة مع الشركاء المعنيين بالعمل على تأسيس بعض الأطر التنظيمية والإدارية لملف اللغة العربية على المستوى الاتحادي من خلال قياس مجموعة من المؤشرات الوطنية لاستخدامها كأداة لمتابعة مدى تبني شبابنا للغة العربية، وأطلقنا استراتيجية الهوية الوطنية التي تضمنت اللغة العربية كركيزة أساسية، واعتمدنا دراسة جدوى مشروع قانون في شأن اللغة العربية ليشمل كافة القطاعات المعنية.
خارطة طريق
لفت وزير الثقافة إلى إعداد خارطة طريق وطنية لملف القراءة، ووضع سياسات ثقافية تستهدف الطفل والأسرة، وتحديد برامج المراكز الثقافية التابعة للوزارة، ووضع برامج وطنية ثقافية في التوثيق والترويج وهي قيد الإنجاز خلال 2026 ـــ 2027، إلى جانب استحداثنا نموذج حوكمة جديد من خلال لجنة الهوية الوطنية التي تتكون من 11 عضواً وزارياً وبإشراف مجلس التعليم والموارد البشرية والمجتمع، لمتابعة الإنجاز وضمان التنسيق والاستجابة، واستراتيجية تنمية القطاع الأدبي، وعلى الصعيد الدولي جائزة البردة وتسجيل الخط العربي في اليونسكو. وقال إن الاستثمار والاهتمام الحكومي بملف اللغة العربية كان وما زال في نمو مستمر، وأوضح أن ما أنجز بفضل الله، ما هو إلا دليل على توائمنا الكامل مع المجلس الوطني الاتحادي وتنفيذ توصيات المجلس، مشيراً إلى أن النقاشات في المجلس سيتم ترجمتها إلى بنود تشريعية في قانون اللغة العربية ولائحته التنفيذية.
حفظ الهوية
خلال مناقشة تقرير لجنة شؤون التعليم والثقافة والشباب والرياضة والإعلام حول موضوع اللغة العربية والرد على مداخلات الأعضاء، قالت حصة تهلك وكيل مساعد لقطاع التنمية في وزارة الأسرة: اعتمدت الوزارة العديد من البرامج من خلال مشروع حفظ الهوية الوطنية والقيم الأخلاقية، وتعمل على تعزيز اللغة ضمن نطاق الأسرة مثل برامج المقبلين على الزواج، ودمج المفاهيم في المواد التربوية الموجهة للوالدين سواء الأم أو الأب والأم وهذا يستهدف أولياء الأمور من لهم أطفال دون عمر الثامنة.
وأضافت: لدينا مبادرة «أسرتي تتحدث العربية»، والمراكز المعنية بكبار المواطنين، جميعها تستخدم اللغة العربية في التواصل وتعزيزها بين أفراد المجتمع، ولدينا وثيقة حماية الطفل الثقافية التي تم مراجعتها من قبل وزارة الأسرة، مشيرة إلى أن وجود جنسيات مختلفة في الأسرة الواحدة أمر وارد وهذا لا يشكل عائقاً، لكن جميع البرامج تستهدف الطفل الإماراتي منذ تنشئته، بغض النظر عما إذا كان أحد والديه من الناطقين باللغة العربية أو غيرها. وأضافت حصة تهلك: حرصت وزارة الأسرة بالتعاون مع شركائها على أن من هم دون الثامنة يكون لهم برامج تدريب وتأهيل للوالدين، وبرامج الإعداد التي سنستهدف فيها المقبلين على الزواج، ودور كبار المواطنين مهم في جميع مراحلهم السنية.
وزير الثقافة يتوسط عدداً من المسؤولين خلال الجلسة
مبادرات داعمه
قال إبراهيم خادم مدير إدارة التراخيص الإعلامية في الهيئة الوطنية للإعلام: هناك مجموعة من المبادرات التي تدعم اللغة العربية، تُعنى بالناشرين الإماراتيين، فيتم دعمهم بمشاركتهم في عدة معارض داخل الدولة وخارجها، ودعم للكتاب الإماراتيين، إضافة إلى مشاركة الأقلام الإماراتية في مهرجان الإمارات للآداب.
وأضاف، الهيئة الوطنية للإعلام هي المعنية بتنظيم شؤون الإعلام في الدولة، ويتضمن ذلك الإعلام الرقمي وهناك عدة قوانين ولوائح نظمت هذه الأمور، إضافة إلى إصدار ما يسمى بقانون «معلن» لتنظيم شؤون الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي، بما يضمن نشر الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة المتوازنة والصحيحة والمتوافقة مع معايير المحتوى الإعلامي.
لجنة الهوية الوطنية
قال مبارك إبراهيم الناخي وكيل وزارة الثقافة: من المهم أن نربط عملنا بمنظومة حوكمة وطنية، ودور لجنة الهوية الوطنية يشمل توحيد الرؤى بين الجهات والعمل كمرجعية وطنية لضمان تكامل المبادرات وعدم ازدواجيتها، واقتراح وتطوير المبادرات وضمان تنفيذها بالتنسيق مع الجهات المعنية، إلى جانب قياس الأثر من خلال تطوير مؤشر وطني، وتعمل اللجنة أيضاً على تعزيز السردية الوطنية من خلال تصميم وتنفيذ رسائل اتصال موحدة تعكس الهوية الإماراتية.
فيما قالت شذى أمين الملا: من أهم المبادرات المستقبلية لدى وزارة الثقافة بالتعاون مع الجهات المعنية، زيادة جرعات التعليم والثقافة لدى الطلبة، وخلال السنتين الماضيتين أطلقنا الإطار الخاص بالتعليم الثقافي في الأنشطة اللاصفية، وتمكنا من تحقيق زيادة هذه الجرعات المعنية بالثقافة واللغة لأكثر من 60 ألف طالب، ونحن في مرحلة مفصلية من ناحية دراسة القانون ودراسة الخطط المستقبلية لتنفيذ وتعزيز القراءة في الأسرة وفي المجتمع ككل.
وأضافت: ضمن استراتيجية الهوية الوطنية الإماراتية التي تم إطلاقها في 2024 أطلقنا (16) مبادرة نوعية معنية بالهوية الوطنية، ولدينا مؤشرات واضحة من ضمن استبيان الهوية الوطنية الإماراتية، ومن خلال المؤشر نتطرق لنسبة الشباب الإماراتيين الذين لا يتكلمون اللغة العربية بطلاقة، والذين لا يستخدمونها في معظم أوقات تواصلهم مع الآخرين، ولا في منصات التواصل الاجتماعي.
3 أولويات
قالت مها الشحي مدير إدارة أبحاث المناهج والمهارات وتقنيات وأساليب التعلم في وزارة التربية والتعليم، تركيزنا ينصب على ثلاث أولويات رئيسية هي: تعزيز قدرات الطلبة ومهاراتهم، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز مكانة اللغة العربية، وأطلقت الوزارة مشروعاً لتطوير ومراجعة المناهج الوطنية بشكل شامل، وأعطينا الأولوية لمادة اللغة العربية ولمراحل الطفولة المبكرة، ويعد الميثاق الوطني للتعليم أول وثيقة وطنية مرجعية شاملة تحدد ما هي ملامح وسمات والقيم المجتمعية التي نراها في المتعلم الإماراتي، كما اعتمدت سياسة تنظيم المواد الإلزامية لرياض الأطفال في المدارس الخاصة، وتم تخصيص ساعات يومية للطلبة لتقوية مهارات القراءة والكتابة.
الذكاء الاصطناعي
من جانبه، قال خالد النعيمي مدير مشاريع بمكتب الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وتطبيقات العمل عن بُعد، منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2018 كانت اللغة العربية ركناً أساسياً، واليوم عندنا عدد من المشاريع والمبادرات لتعزيز حضور الهوية الوطنية واللغة العربية، منها مؤشر الذكاء الاصطناعي في الميدان. وأوضح الدكتور عبدالرحمن المعيني وكيل مساعد لقطاع الملكية الفكرية بوزارة الاقتصاد، لدينا منظومة متكاملة لتعزيز اللغة العربية في القطاع الاقتصادي، تشتمل مرتكزات رئيسية منها الخدمات والشركات بتصنيفاتها، والبنية التحتية بما تتضمنه من تشريعات وسياسات ونظم اقتصادية، والحضور الدولي فيما يتعلق بتعزيز استخدام اللغة العربية من خلال الأنظمة الدولية الخاصة بتسجيل الخدمات.
رفع معايير تعيين معلمي «العربية»
كشفت شذى أمين الملا وكيل وزارة مساعد لقطاع الهوية الوطنية والفنون في وزارة الثقافة، أن مشروع قانون اللغة العربية الذي يجري إعداده سيشمل 10 مجالات، منها الحكومة والاقتصاد والأعمال، والتعليم والأبحاث، والثقافة والإعلام، والترجمة والتعريب، وآليات الدعم والتحفيز، والأسرة والمجتمع والتكنولوجيا والرقمنة، إضافة إلى الحوكمة.
وقالت: من ناحية التعليم يتطرق القانون إلى رفع معايير المواد التي تدرس باللغة العربية كماً ونوعاً في التعليم المبكر والعام والأساسي، ورفع حد أدنى لتعليم اللغة في التعليم العالي بشكل إلزامي لتخصصات علمية، ورفع معايير تعيين واختبار وتدريب معلمي اللغة العربية.
وبخصوص الإعلام، تطرقنا إلى إلزامية وجود اللغة العربية في أي إعلانات مرئية أو مسموعة أو مقروءة أو من المنشورات والحملات الدعائية الموجهة للجمهور، وكذلك إلزامية وجود ترجمة للغة العربية في حال كانت لغة المتحدثين في المؤتمرات والندوات والاجتماعات بلغة غير اللغة العربية.
الاعتماد على المربيات الأجنبيات أبرز التحديات
كشفت لجنة شؤون التعليم والثقافة والشباب والرياضة والإعلام برئاسة الدكتور عدنان حمد في المجلس الوطني الاتحادي عن 18 ملاحظة في تقريرها حول موضوع اللغة العربية تضمنت عدم اكتمال الحزمة التشريعية القائمة لصون اللغة وإحياء دورها ومكانتها في المجتمع الإماراتي.
وأشارت إلى أن الأسرة هي الحاضن الأول لإكساب الطفل اللغة العربية، لكن هناك عدد من الصعوبات التي أدت لضعف اكتسابه للغة، منها: عمل المرأة، الاعتماد على المربيات الأجنبيات، إصرار بعض الأسر على تعليم أطفالها اللغة الأجنبية كلغة أساسية أولى.
وأوضحت، أنه باعتبار التعليم هو الأداة الفعالة للاستثمار في مستقبل اللغة العربية، إلا أنه اتضح وجود عدد من التحديات أهمها: ضعف سياسات تطوير جودة مناهج اللغة العربية، النقص في الكوادر المؤهلة للتدريس، الصعوبات المتعلقة بالتقييم الوطني الشامل لقياس مهارات اللغة العربية للطلاب.
وجاء في التقرير من الملاحظات، عدم كفاية الوقت المخصص للقراءة والكتابة، وعدم الاعتماد على الوسائل التعليمية الحديثة، وأن اللغة العربية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي تواجه عدة تحديات منها: محدودية دور الجامعات ومراكز البحوث والمكتبات العربية في رقمنة المخطوطات، وغياب الموسوعات العربية الموثوقة والمتخصصة، وأنه في محور تحديات ثورة الاتصالات والذكاء الاصطناعي تلاحظ ضعف الترجمة والترجمة الآلية، وقلة المحتوى الإلكتروني العربي على شبكة الإنترنت، ومحدودية النشاط البحثي العربي لتمكين اللغة العربية تقنياً.
وأشارت اللجنة في تقريرها إلى أنه تواجه اللغة العربية في وسائل الإعلام تحديات عدة من أبرزها: عدم وجود سياسة إعلامية واضحة تُعنى بها، سيطرة المواد الإعلامية الأجنبية باختلاف أشكالها، شيوع العامية في وسائل الإعلام وانتشار اللحن على ألسنة الناطقين بها في وسائل الإعلام، وضعف الإعلام الإلكتروني العربي.