كنت أتوقع أن تأخذني رواية يابانية مترجمة إلى شوارع طوكيو والبيوت الخشبية وهدوء الحدائق هناك، غير أن شخصيات الرواية اليابانية التي تتحدث بعامية عربية مألوفة بددت توقعاتي وأخرجت النص من ثقافته تماماً.
جال في ذهني لحظتها ما تعنيه ترجمة العمل الأدبي، فهي ليست مجرد عبور لغوي بل إعادة خلق يتورط فيه الوعي الجمالي للمترجم بقدر ما يتورط فيه حسه اللغوي.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال الإشكالي عن الحد الذي يمكن فيه للمترجم أن يستعين بعاميته الخاصة، وهل تمثل العامية جسراً يقرّب النص من القارئ أم هي صدعٌ يُحدث خلخلة في بنية النص الأصلي؟
إن العامية، بوصفها لغة الحياة اليومية، تحمل كثافة وجدانية لا تخلو من دفء وصدق، وحين يلجأ إليها المترجم، قد يظن أنه يقرّب النص من متلقيه، ويحرره من جمود الفصحى أو اغترابها. غير أن هذا القرب الظاهري يخفي في طياته مخاطرة مزدوجة، فهو من جهة قد يُسقط على النص روحاً محلية لا تنتمي إلى بيئته الأصلية، ومن جهة أخرى قد يفرغ النص من طبقاته الأسلوبية التي تشكلت في سياق لغوي وثقافي مختلف، فالكاتب لا يختار ألفاظه اعتباطاً، بل يبني عالماً تتضافر فيه اللغة مع البيئة والتاريخ والهوية، وإذا ما تدخل المترجم بعاميته، فإنه لا يترجم الكلمات فحسب، بل يعيد توطين النص في جغرافيا جديدة، قد تكون غريبة عنه. وهنا، لا يعود النص ذاته، بل نصاً آخر.
ومع ذلك، لا يمكن إصدار حكم قاطع بأن استخدام العامية هو دائماً تشويه أو إضعاف، فثمة حالات يكون فيها النص الأصلي نفسه مشبّعاً بلهجة محكية أو بنبرة شعبية، وعندها يصبح اللجوء إلى عامية مدروسة ضرورة جمالية، لا خيانة نصية. غير أن هذا الاستخدام يتطلب حساسية فائقة، بحيث لا تتحول العامية إلى استعراض لغوي أو إسقاط ثقافي، بل إلى أداة دقيقة تحاكي الوظيفة الأصلية للنص.
إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في العامية ذاتها، بل في وعي المترجم بحدود تدخله، فالمترجم ليس مؤلفاً ثانياً، ولا ناسخاً محايداً، بل يقف في منطقة رمادية بين الأمانة والابتكار. وإذا ما اختل هذا التوازن، تحوّلت الترجمة إلى إعادة كتابة، وفقد النص شيئاً من ملامحه الأصلية.
وعليه، يمكن القول إن تأثير استخدام العامية ليس سلبياً بالضرورة، لكنه محفوفٌ بالمخاطر. فهو قد يثري النص ويمنحه حياة جديدة، أو قد يبدل ملامحه حتى يغدو غريباً عن ذاته الأولى. وفي كلتا الحالتين، يبقى السؤال عما إذا كنا نريد من الترجمة أن تكون مرآة للنص، أم صوتاً جديداً له؟
