الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الثقافة ليست ربطة عنق

27 أبريل 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 27 أبريل 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
نقترب شيئاً فشيئاً من بدء فصل الصيف، ويعدل كثير من الناس تقويم حياتهم لينسجم مع هذا التوقيت، ويبنون خطط إجازاتهم حوله، يحتاج المنخرطون في العمل الثقافي أيضاً إلى إجازة، وهذا أمر لا جدال فيه وحق طبيعي، ولكن في الحقيقة لو نظرنا إلى حقيقــة إجازة «المثقف» لوجدناها مجرد تبديل جغرافي وزماني للمشهد فقط، نعم قد يترك مكتبه، أو يبتعد عن روتين عمله، أو يسافر أياماً قليلة، لكن ذهنه يبقى مشغولاً بالإنتاج الثقافي، فالكاتب، أو الشاعر، أو الروائي، أو الفنان، لا يخرج من الثقافة كما يخرج الموظف من الدوام؛ لأنه في الحقيقة يعيش داخلها ويتنفسها، ويعيد تشكيلها حتى وهو يظن أنه يستريح.
دعنا نقل إن «المثقف» لا يعرف الإجازة بمعناها التقليدي، فهــو قــد يبتعــد عن الكتابة المباشرة، وقد يعلّق مشاريعه مؤقتاً، لكنه يظل في حالــة التلقــي والملاحظة والتأمل، ففي رحلة سفره القصيــرة، قــد يلتقــط مشهداً ثقافياً في السوق، يكون نواة لفكرة عمل أدبي، أو قد يفتنه انعكاس الضوء على وجه جميل، ثم يعود إلى بيته وقد تحول المشهد إلى لوحة، وهكذا يعمل الوعي الثقافي، فلا يغلق أبوابه عند الإجازة أو السفر.
ولعل أكثر ما يميز أهل الثقافة أنهم يحملون معهم أدواتهم أينما ذهبوا، حتى حين لا يحملون دفتراً أو كتاباً، فالعين تدربت وتعودت على قراءة التفاصيل فلا تتوقف عن القراءة، والأذن تدربت على التقاط الإيقاع فلا تكف عن الإصغاء، والذاكرة تزدحم بالمشاهد وبالأسئلة، فتجد الكاتب أو الفنان في رحلة صيد، أو جلسة مع الأصدقاء، أو مسترخياً على شاطئ هادئ، لكنه في الحقيقة في حالة اشتباك خلّاق مع العالم من حوله.
هذه الحقيقة يعرفها من خبر الثقافة حقاً، فالثقافة ليست ربطة عنق يمكن خلعها مساء، الثقافة هي طريقة في العيش والتفكيــر والتأمــل، ومن يدخل هذا العالم يدرك أن الإجازة فيه هي استراحــة شكليــة فقــط، حتى الترفيه عند المثقــف لا ينجو من عدســة الثقافــة، فهو حيــن يذهب إلى مكان ليرتاح فيه، تجده قد انشغل بعفوية في رصد ثقافة الآخرين وكيف يعيش الناس، وكيف يتكلمون، ويلتقط عاداتهم البسيطة في حركاتهم اليومية، وهنا يصبح السفر، على جماله، جزءاً من العمل الثقافي نفسه.
المبدع لا ينفصل عن شغفه، يمكن أن يبدّل إيقاع يومه ليخفف الضغط، ويمنح نفسه مساحة للاستجمام، لكنه لا يغادر أروقة الثقافة حتى لو خُيّل لمن حوله ذلك، ففي الثقافة الراحة تكمن دائماً في الدخول الأعمق إلى المعنى.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه