الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التهديد بتعطيل الإنترنت.. الانتحار الرقمي

1 مايو 2026 00:12 صباحًا | آخر تحديث: 1 مايو 00:14 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في زمنٍ باتت فيه الدول تُدار عبر الشاشات، لم يعد الإنترنت رفاهية أو وسيلة تسلية، بل شرياناً يَضخ الحياة في الاقتصاد، والمال، والأمن، وحتى العلاقات الاجتماعية، لذلك فإن التلويح بتعطيل الإنترنت -سواء عبر استهداف الكابلات البحرية أو شن هجمات سيبرانية- لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل مقامرة خطِرة قد ترتد على الجميع.
في كل مرة يُذكر فيها مضيق هرمز، تتجه الأنظار فوراً إلى ناقلات النفط وأسعار الطاقة، لكن تحت هذا المشهد المرئي، تمر ناقلات أخرى لا تقل أهمية هي: شبكة الكابلات البحرية التي تنقل 95% من بيانات العالم بدءاً من الإنترنت إلى التحويلات المالية، هذه الحقيقة تؤكدها تقارير «الاتحاد الدولي للاتصالات» وبيانات «خريطة الكابلات البحرية»، التي توضّح أن الشرق الأوسط والخليج تحديداً يمثل عقدة ربط أساسية بين آسيا وأوروبا، ولا بد من الإشارة إلى أن انتشار الألغام والعمليات العسكرية وكثافة حركة السفن قد تؤدي إلى تحوّل المنطقة إلى بيئة غير آمنة لصيانة الكابلات، لم يعد الحديث عن مضيق هرمز مُقتصراً على ناقلات النفط وأسعار الطاقة، ففي تقارير وتحليلات نشرتها وكالة «رويترز» و»الواشنطن بوست» تكرر تحذير واضح: الخطر الحقيقي لا يُهدد النفط وحده، بل يُهدد الإنترنت العالمي، الخليج ليس فقط ممراً للطاقة، بل نقطة عبور رئيسية للبيانات التي تُعتبر نفط المستقبل. التصعيد هنا يجعل الخطر مزدوجاً، يجمع بين تعطيل الطاقة وتعطيل البيانات، وتجدر الإشارة أن عملية إصلاح الكابلات قد تتطلب وقتاً طويلاً، وفي منطقة متوترة قد تصبح مستحيلة، وهذا ما حذرت منه تحليلات مراكز مثل مركز ستيمسون Stimson.
التهديد الإيراني بتعطيل الإنترنت من خلال استهداف الكلابات البحرية في مياه الخليج لا يبدو منطقياً، نحن أمام شبكة لا تعترف بحدود، يمتد الإنترنت العالمي عبر شبكة مُعَقدة من الكابلات البحرية التي تربط الشرق بالغرب مروراً بالخليج. هذه الكابلات ليست ملكاً لدولة واحدة، بل هي بنية مُشتَركة تخدم عدة دول في آن واحد، وأي خلل كبير فيها لا يصيب دولة بعينها، بل يُحدِث اضطراباً إقليمياً واسعاً، قد يصل إلى بطء شديد أو انقطاع متقطع في الاتصالات.
وهنا تكمن المفارقة.. الدولة التي تفكر في استخدام هذا السلاح، ستجد نفسها ضمن المتضررين منه. الإنترنت لا ينطفئ.. لكنه يختنق ما يؤدي إلى تعطيل وبطء في الخدمات الرقمية وانقطاع التطبيقات السحابية واضطراب في الاتصالات الدولية، ورغم أن البيانات لا تختفي تماماً فهي محفوظة في مراكز البيانات الموزعة عالمياً مثل شركات: غوغل، وأمازون، ومايكروسوفت وغيرها، لكن المشكلة تبقى في الوصول إليها، البيانات لا تضيع لكن المُستخدِم يُحرم من الوصول إليها، نحن نعلم أن اقتصاداً من دون إنترنت يعني اقتصاداً مشلولاً، وفي زمن الاقتصاد الحديث نعتمد على الاتصال المستمر، مثل: التحويلات البنكية والمدفوعات الرقمية، حتى حركة الطيران والشحن البحري، والتجارة الإلكترونية وسلاسل الإمداد.
تعطيل الإنترنت يعني: تأخير العمليات المالية، تعطيل أنظمة الحجز والنقل، ارتباك الأسواق ارتفاع المخاطر، إيران نفسها لن تكون بمنأى عن هذا التأثير، هذا هو الواقع المثبت علمياً، إيران مثل جيرانها تعتمد على الاتصالات الدولية وأنظمة المال الرقمية وإدارة الموانئ والطاقة، ورغم وجود «شبكة داخلية» أو ما يعرف بالإنترنت الوطني، فإن هذه الأنظمة لا تعوّض الاتصال بالعالم، وهكذا سيتحول «سلاح الضغط» إلى ضرر ذاتي، أشبه بالانتحار الرقمي، المعروف أن الأمن السيبراني هو الجبهة الخفية في أوقات النزاعات، إذ لا يقتصر الخطر على الكابلات، بل يمتد إلى هجمات على البنوك، واختراقات للبيانات، وإلى نشر معلومات مُضَلِلّة. وقد أظهرت حادثة ستوكسنت Stuxnet عام 2010 أن الفضاء الرقمي يمكن أن يتحول إلى ساحة حرب موازية، لا تقل خطورة عن الميدان التقليدي، التهديد بتعطيل الإنترنت في منطقة حساسة مثل الخليج لا يمثل قوة، بل يكشف هشاشة الفكرة نفسها، التعطيل سيخلق حالة فوضى معلوماتية يصعب السيطرة عليها والأهم لا يمكن حصر الضرر في طرفٍ واحد، في الخليج اليوم، يمر النفط عبر المضيق وتمر البيانات تحته، وفي هذا العالم المترابط، تصبح الأدوات التي يُراد بها الضغط سلاحاً ذا حدين، لهذا فإن أي محاولة لاستخدام الإنترنت كسلاح لن تؤدي إلى أي انتصار، بل إلى نتيجة واحدة..
الجميع يخسر.. والضرر يبدأ بمن أطلق التهديد.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه