عوّدتنا الكاتبة والفنانة كارين رزق الله، أن تخرج عن المألوف لتقدم قصصاً اجتماعية إنسانية تلامس القلوب، والأهم أنها بارعة جداً في صياغة الواقع بجرأةٍ تصدم دون أن تجرح، تنتقد العيوب وتشير إلى الأزمات في المجتمع اللبناني بكل موضوعية، لكن الجرأة بلغت مداها في المسلسل الذي شاهدناه في رمضان «المحافظة 15»، وكأنها حررت قلمها مع تحرر الأسرى من السجون السورية ومع تحرر سوريا من أسر النظام السابق.
لأول مرة، تحكي الدراما اللبنانية وجعاً بقي مكبوتاً لسنوات طويلة، ولأول مرة تفتح ملف «الاحتلال السوري للبنان»، كما تصرّ مونيا بطلة «المحافظة 15» على التأكيد بأنه لم يكن وجوداً بل أكثر.
نجاح «المحافظة 15» يبدأ من اختيار القصة، ثم يكتمل بالسيناريو والحوار وكم المشاعر التي تعيد الشعبين اللبناني والسوري إلى تلك المرحلة التي عانى فيها الناس القمع والظلم والخطف والاعتقال. ويكتمل النجاح بإخراج سمير حبشي وبأداء الممثلين اللبنانيين والسوريين في المسلسل.
أوجعتنا وأبكتنا كارين، كما بكى رجال قصتها، لافت كيف جعلت الرجال أكثر بكاء وتألماً وقهراً من النساء، وهذا يدل على واقعيتها في تناول حكايات تألم فيها الرجال وعانوا مع عائلاتهم الظلم، لم تعاند الحقائق ولم تلو ذراعها، بل رأينا بطلها فؤاد مكسوراً مهزوزاً، مضطرباً نفسياً، يرتعش خوفاً بسبب ما عاناه طوال 28 عاماً من الأسر في معتقل صيدنايا؛ خالد أقل تشنجاً وتوتراً منه رغم وجودهما في السجن نفسه، لكن خالد أصغر سناً من فؤاد ومعاناته دامت 12 عاماً.
من مميزات المسلسل أن المخرج اختار بطلين آخرين شابين ليؤديا دوري مونيا وفؤاد كلما عاد بنا إلى الوراء لنعرف ما حصل في الماضي، ولم يلجأ إلى خدعة الذكاء الاصطناعي التي أثبتت فشلها في إعادة الممثلين أنفسهم سنوات إلى الوراء، كما رأيناها في مسلسلات عربية، فيبدو المشهد مصطنعاً وغير منطقي. ناديا شربل، ابنة كارين رزق الله في الحقيقة، هي الأمثل لتأدية دور مونيا شابة، ومعها بيو شيحان مجسداً فؤاد الشاب، وكميل يوسف هو بديل نزيه يوسف في مرحلة شباب عمر.
صحيح أن الدراما اللبنانية لم تقدم سوى مسلسلين هذا الموسم، لكن «المحافظة 15» يغني عن أعمال كثيرة تابعناها عربياً، ولم ترتق إلى نصف مستواه، ويمكن القول إنه من المسلسلات القليلة التي خرجت عن القيود، وعكست الواقع بكل ما فيه.

[email protected]