هل يقفز دماغك إلى مغامرات اختبارية عندما يُخفق في تصوّر نجاعة الطرائق المألوفة؟ عندئذ يغدو كالفنان الذي ينتهج الفنتازيا كمنهجية. ماذا تقول لمن يقترح تجربة إدخال شعبان في رمضان لحل معضلة هي داء عضال في أمّة؟ قد يبدو ذلك هزلاً هزيلاً.
على سبيل التمثيل، تأمل مسرح الأحداث الراهنة منذ عشرات السنين، ستكتشف ظاهرةً عجيبةً، وهي أن التربية والثقافة الفاعلتين لهما تأثير نسبيّ في السلوك الجمعي. منذ مطلع قرننا هذا، مرّت على العالم العربي أحداث طاحنة يدرك هولها أيّ لاعب شطرنج مبتدئ، فضلاً عن الأساتذة الدوليين في اللعبة الاستراتيجية. فقدان بيدق يمكن أن يذهب بريح الأبيض أو الأسود، فما بالك بخسارة رخ أو فيل أو حصان. عندما كانت الدول، كالعراق وسوريا وليبيا، تتهاوى، لم يكن العرب ينظرون إلى الساحات الجيوسياسية نظرة زبيجنيو برجنسكي إلى ما يسميه «رقعة الشطرنج الكبيرة».
بتفكير آخر، لقد فشلت التربية والثقافة في جعل العرب يشعرون بأن الأوطان العربية أوطانهم هم، والسيادة سيادتهم هم، وما على أرضها وما تحت ثراها ملكهم هم. بلادهم جميلة فما لهم لا يعشقون؟ الكرامة والغيرة واللغة والهوية والميراث الثقافي ومنظومة القيم، ليست كلمات متقاطعةً في المعاجم. علماء التربية الجدد ينعون على المدرسين تلقين الطلاب المواد وكأنها فروض وواجبات، إذا لم يحفظوها فأمّهم هاوية، فتصير الرياضيات والفيزياء والكيمياء والتاريخ والجغرافيا، أشباحاً دراكوليّة، فالتحضير للامتحان رعب حتى مطلع الفجر. المربّون الجدد يوصون بضرورة إحساس الدارس بأن المواد تخدمه، هي رصيده لمقبل أيامه.
هل يعقل أن تكون التربية والثقافة في الجاهلية أفضل ممّا نشهده ونلمسه اليوم؟ ما هو المخزون الخارق الذي كان يكتنزه طرفة بن العبد البكري في مهجته، حتى يصدح: «إذا القوم قالوا: من فتًى؟ خِلت أنني.. عُنيت فلم أكسل ولم أتبلّدِ». لعلّ الشعوب مستلبة، فهي منكبّة على كل مستجد في «التيك توك»، بينما المخططات المغرضة عاكفة على التكتيك والتشكيك والتفكيك.
لزوم ما يلزم: النتيجة التأجيلية: على المثقفين بالذات أن يُرجئوا الروائع التي يُغرقون بها الشعوب، إلى حين فكّ انجماد الدم في شرايين الأمّة. المايكرويف وكربونات الصوديوم لا يُجديان.
