لا تخفي الدول الأوروبية قلقها من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقليص القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا، وتهديده بسحب قواته من إيطاليا وإسبانيا، خصوصاً بعدما أعلن أنه يخطط لخفض كبير لهذه القوات بما يتجاوز ما أعلنه البنتاغون قبل يوم واحد من عزمه على سحب خمسة آلاف جندي.
صحيح أن القرار الأمريكي لم يفاجئ ألمانيا التي أعلن وزير دفاعها بوريس بيستوريوس أن القرار كان متوقعاً، ودعا الدول الأوروبية إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، إلا أن القرار سوف يترك شرخاً كبيراً في العلاقات عبر الأطلسي، ويعرّض الأمن الأوروبي للخطر في حال تخلي ترامب عن توفير المظلة الأمنية التي طالما احتاجت إليها القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، طالما أن أوروبا لم تتمكن حتى الآن من تحقيق استقلالها الاستراتيجي عن الولايات المتحدة.
يذكر أن موقف ترامب الذي يستهدف ألمانيا، الحليفة ضمن «الناتو»، جاء بعد أن صرح المستشار الألماني فريدريتش ميريتس الأسبوع الماضي بأن «الأمريكيين يفتقرون بوضوح إلى استراتيجية تجاه إيران»، وأشار إلى أن طهران «أذلت» القوة العظمى الأولى في العالم.
ترامب كان أعلن يوم الخميس الماضي أيضاً، أنه قد يسحب قواته من إيطاليا وإسبانيا بسبب معارضتهما الحرب، وقال «لم تقدم إيطاليا أي مساعدة، وكانت إسبانيا مريعة.. مريعة للغاية».
ترامب أراد على ما يبدو معاقبة الدول الأوروبية على موقفها الرافض للحرب، لكنه مع ذلك يدرك أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لا يخدم الأمن الأوروبي فحسب، بل هو في الأساس يصب في مصلحة الولايات المتحدة في إطار استراتيجيتها العالمية كقوة عظمى، لأن هذا الوجود يعد ذراعاً عسكرية مهمة تخدم النفوذ الأمريكي.
يذكر أن عدد القوات الأمريكية في ألمانيا يبلغ 36 ألفاً و436 جندياً، وفي إيطاليا 12 ألفاً و662 جندياً، وفي إسبانيا 3 آلاف و814 جندياً.
حتى في الولايات المتحدة، يثير قرار ترامب تساؤلات حول جدواه ومخاطره، إذ أعرب الرئيسان الجمهوريان للجنتي القوات المسلحة في مجلسي النواب والشيوخ، روجر ويكر ومايك روجرز عن قلقهما، وأشارا إلى أن تقليص الوجود الأمريكي في أوروبا قبل الأوان وقبل أن تصبح هذه الوسائل جاهزة للعمل بشكل كامل يعرض قوة الردع للخطر.
حلف الأطلسي من جهته يبدو أنه في حالة «كوما» مما يجري، إذ قالت المتحدثة باسمه إن الحلف يعمل مع الولايات المتحدة لاستيضاح تفاصيل قرارها بشأن الانتشار العسكري في ألمانيا. ومن جهتها رأت المفوضية الأوروبية أن استمرار انتشار القوات الأمريكية في أوروبا يصب في مصلحة واشنطن نفسها، مؤكدة أن الولايات المتحدة تبقى شريكاً أساسياً في أمن القارة، ودعت إلى تجاوز الخلافات الراهنة، والحفاظ على التنسيق العسكري المشترك في مواجهة التحديات المتزايدة.
لكن، بما أن الرئيس ترامب ينظر إلى الوجود العسكري الأمريكي على أنه «مكرمة أمريكية» لحماية أمن أوروبا، وأن هذه الأخيرة لا ترد الجميل لمن يحميها بدعم حربها ضد إيران، فإن العديد من القادة الأوروبيين بدأت تتعزز لديهم قناعة بضرورة التحرك نحو تشكيل «اتحاد دفاعي أوروبي» لمواجهة التحديات الأمنية بشكل أكثر استقلالية عن واشنطن، بعدما أدركوا أن الأمن المستعار ليس مضموناً في ظل إدارة ترامب، وهو ما تسعى إليه فرنسا وألمانيا تحديداً منذ فترة، وبدأ هذا المسعى يتعزز بعد قرار تقليص القوات الأمريكية في ألمانيا.