الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حرب أبوية

5 مايو 2026 01:38 صباحًا | آخر تحديث: 5 مايو 02:40 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تكاد تكون أكبر أزمات التربية الحديثة، وأكبر هواجس ومخاوف كل أم وأب أسوياء، التكنولوجيا وحماية الأبناء منها؛ لدرجة أنها تتحول في منازل كثيرة إلى حرب يستعد لها الأهالي بكامل عدتهم في محاولات لإقناع الأطفال بالحد من استخدامها، في مقابل الدفاعات الشرسة التي يمارسها الصغار للهروب من تلك المواجهة والاستمتاع بأكبر وأطول قدر من الوقت مع كافة الوسائل العصرية المتاحة.
الحرب التكنولوجية لا تقتصر على حروب الكبار والمعارك السياسية والعسكرية والأمنية والاستخباراتية، فهناك حرب مدنية أبوية تشهدها معظم البيوت دون استثناء، ويخوضها الآباء بنفس العزيمة والحرص مع اختلاف أساليب المواجهة بين أسرة وأخرى، حتى الملوك والأمراء والمسؤولون يواجهونها أيضاً، منهم مثلاً الأمير ويليام الذي قرأنا أنه يواجه تحديات أبوية معاصرة مع ابنه البكر جورج (12 عاماً)، خلال محاولاته وضع حدود وضوابط لاستخدام التكنولوجيا، وحصر استخدام الشاشات على أوقات محددة، علماً أنه قيل إن ويليام يمنع جورج من امتلاك هاتف ذكي خاص به، رغبة منه في جعل أطفاله الثلاثة يتمكنون من عيش حياة طبيعية بعيداً عن مخاطر التكنولوجيا.
لم يعد التحذير من كثرة استخدام الأطفال للتكنولوجيا والتعامل مع وسائلها بالشكل المستمر والمبالغ فيه وبدون رقابة الأهل هو مجرد تحذير طبي للحفاظ على السلامة الصحية للأطفال، بل أصبحت الأمور الأخرى أكثر خطورة وهدماً للأجيال الجديدة، منها تسلل بعض الشبكات والجهات إلى الأطفال عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع لاستدراجهم واستقطابهم والتأثير في عقولهم وتغذيتها بسموم يصعب اقتلاعها بسهولة إذا لم ينتبه إلى مؤشرات وجودها الأهل.
لا يمكن للحل أن يأتي من باب حجب التكنولوجيا كلياً عن الأطفال والمراهقين، فهو أمر مستحيل وغير واقعي في زمن تتحول فيه معظم آليات العلم والعمل إلى الاعتماد على التقنيات الحديثة وكيفية التعامل معها، لكن الأهم هو تسلح الأهل بالوعي الكافي لفهم تلك المخاطر، وتعلمهم هم أيضاً كيفية استخدام تلك الوسائل ومراقبة ما يشاهده الأبناء وما يستخدمونه ومع من يتواصلون، وحمايتهم من التواصل مع الغرباء ومن التحاور في الغرف المغلقة، ومن إعطاء معلومات شخصية وخاصة لأي كان.
التكنولوجيا واقع الحياة اليوم والمستقبل ولا يمكن الاستغناء عنها، إنما ليس بالضرورة أن نتحول إلى أسرى أو عبيد لها، تتحكم في حياتنا وترسم خط سير وسلوكيات الأطفال، وتبني جداراً عالياً بينهم وبين أهاليهم، وهنا يكمن الخطر الأكبر، وتتراجع العلاقة بين الأبناء وواقعهم ومحيطهم، وتموت تدريجياً العلاقة بين الأهل والأسرة وتتسع الفجوة ليتحول أفراد العائلة الواحدة إلى غرباء.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه