الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الذكاء الاصطناعي وصراع الشركاء

6 مايو 2026 01:24 صباحًا | آخر تحديث: 6 مايو 01:31 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
وصول الخلاف بين الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، وصاحب شركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان إلى المحاكم بشأن الذكاء الاصطناعي، لا يتعلق بالتكنولوجيا ذاتها، إنما بالمنافسة المالية الاستثمارية. وليس لتلك القضية، التي تأتي الإثارة الصحفية فيها من كون الاثنين من المشاهير، في النهاية تأثير كبير في تطور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
في النهاية، يجب الفصل بين التطور التكنولوجي الذي لا يختلف عن تطورات تكنولوجية سابقة، من ابتكار الإنترنت إلى ابتكار مواقع التواصل وتطبيقات البحث الإلكتروني وغيرها، وبين حروب الشركات التي تطور تلك التكنولوجيا.
ربما تؤثر تلك الخلافات في حجم الاستثمارات في القطاع الناشئ، وربما أيضاً تضر بالتوقعات على نطاق واسع، بأن قطاع الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخرج الاقتصاد العالمي من كبوة لم يستفق منها منذ الأزمة المالية عام 2009. وفي أسوأ السيناريوهات قد يزيد المخاوف من انفجار «فقاعة الذكاء الاصطناعي» التي يتحدث عنها البعض في السوق.
إنما في كل الأحوال، ستبقى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وتأخذ مسارها في التطور إلى أن تؤدي إلى ابتكار تكنولوجي جديد يتجاوزها. فمنذ فورة شركات الإنترنت «دوت كوم» في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، وابتكارات التكنولوجيا متسارعة، ويتجاوز الجديد منها قديمها في دورات قصيرة. لكن أياً منها لم يختف تماماً، وإن أصبح «موضة قديمة» بمعايير استهلاك الناس للمنتجات التكنولوجية.
سواء تبنت الشركات والأعمال حول العالم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، كما هو متوقع أم لا، فإن التكنولوجيا باقية وستتطور أكثر. وهناك من البنية التحتية التي يتم الاستثمار فيها حالياً، ما يمكن أن يكون قاعدة انطلاق لابتكارات تكنولوجية جديدة. فمثلما ساهمت «الحوسبة السحابية» في تسهيل تخزين البيانات والمعلومات بشكل كبير، ما وسع النشاط الرقمي، فإن مراكــز البيانات الهائلة التي يستثمر فيها العالم الآن، ستسهم ربما في تطور تكنولوجي جديد ما بعد الذكاء الاصطناعي.
هذا عن التكنولوجيا ذاتها، أما شركاتها فأمر مختلف ينطبق عليه ما يسري على الشركات في أي مجال. فباستثناء استثمــارات الشركـــات الكبـرى، مثـــل أمـــازون وغوغــــل وأمثالهما، فإن بقية شركات الذكاء الاصطناعي هي «شركات ناشئة». وتتميز الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا بأنها «تحرق» أموالاً هائلة، قبل أن تحقق عائداً أو أرباحاً.
ما زالت شركات الذكاء الاصطناعي «تحرق» الأموال بانتظار أن تبدأ في تحقيق عائدات لمستثمريها. مع ذلك نجد مئات المليارات تتدفق في القطاع، ما يعني ثقة المستثمرين في مستقبله والعائدات والأرباح المأمولة منه.
إلا أنه مثل أي فورة في قطاع التكنولوجيا، أو غيره من قطاعات الاقتصاد، تتكون شركات كثيرة للاستفادة من المجال الجديد. لا تنجح كل تلك الشركات بالضرورة، ومنها من ينهار ويختفي، أو لا يصمد في المنافسة مع الكبار في هذا القطاع أو ذاك. وقطاع التكنولوجيا والابتكارات الرقمية من أكثر القطاعات التي تشهد هذا المنحى من تكوين الشركات الناشئة بكثرة، ثم اختفاء بعضها، لأنها لا تحقق ما كان متوقعاً منها.
لذا لا يجب الخلط بين مستقبل الذكاء الاصطناعي كابتكار رقمي وبين شركاته. بمعنى آخر يجب الفصل بين التكنولوجيا، التي تطورت بالفعل وستظل باقية، وبين الشركات والأعمال التي تتكون وتزدهر أو تتراجع وتختفي. ومن المهم النظر إلى تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي باعتبارها «طبقة» من طبقات التطور الرقمي في القرن الحادي والعشرين. أي أنها تطور مكمل لما قبله، وليس منفصلاً عما سيتم ابتكاره بعده.
أما شركات الذكاء الاصطناعي فمنها ما سيبقى ويكبر حتى يصبح ضمن النظام المالي والاقتصادي العالمي، ومنها ما سيتراجع وينهار ويختفي. أما التوقع المتفائل بأن الذكاء الاصطناعي سيكون دينامو النمو الاقتصادي العالمي، فمرهون بمستقبل شركات القطاع، وليس بالتكنولوجيا ذاتها.
صحيح أنه كي تنجح الشركات فهي تحتاج إلى الاستثمار أكثر في تطوير تلك التكنولوجيا الجديدة وإقناع الشركات والأعمال باستخدامها، لتحقق تعاقدات تدر عائدات وأرباحاً. لكن أيضاً لا يتعين علينا الحكم على التكنولوجيا ذاتها بمدى نجاح شركاتها، إنما بفائدتها النهائية للبشرية عموماً في مسار تطورها التاريخي.

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه