الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

استعادة الدولة في عالم مضطرب

7 مايو 2026 01:03 صباحًا | آخر تحديث: 7 مايو 01:04 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
على الرغم مما بينهما من «بونٍ» واسع أو كما يقول الشاعر «يقِلّ قدر السيفِ إن قيلَ أمضى من العصا»، فإن قرار دولة الإمارات فكّ الارتباط مع منظمتَي «أوبك» و«أوبك بلس»، وأحدث فصول الاعتداءات الإيرانية السافرة على الدولة، بينهما رابط يتعلق بضرورة استعادة الدولة الوطنية، سواء فُهمت بمعنى استعادة الدولة لسيادتها، والحفاظ على مصالحها الوطنية واستقلالية قراراتها الاقتصادية، أو بمعنى استعادة الدولة الوطنية من الميليشيات التي اختطفتها، وتُهيمن عليها، وتوجّهها لتحقيق مصالحها الخاصة.
الحالة الأولى هي حالة خروج دولة الإمارات من منظمتَي «أوبك» و«أوبك بلس»، في 28 إبريل/ نيسان المنصرم، والذّي دخل حيّز التنفيذ في غرة الشهر الجاري. فقد استند القرار الحصيف إلى الحفاظ على المصالح الوطنية الإماراتية في ما يتعلق بإنتاج النفط، وتسويقه، والتمسك باستقلالية قراراتها الاقتصادية في مجال الطاقة، والأهم هو حماية سيادتها الوطنية من أيّ مساس بواسطة الفاعلين غير الدوليين من المنظمات الدولية، بخاصة تلك التي تحاول الإملاء على الدول قراراتها الاقتصادية، ولا تأخذ في الاعتبار مصالحها الوطنية. والواقع، أن قرارات الإنتاج والأسعار والحصص داخل منظمتي الدول المصدرة للنفط تُهيمن عليها، دولة أو دولتان، من دون مراعاة مصالح سائر الدول الأعضاء، وتفعل «السياسة» فعلها في مخرجات اجتماعات المنظمتين.
والحالة الثانية، هي الاعتداءات الإيرانية السافرة التي شنتها ميليشيات الحرس الثوري على دولة الإمارات في 4 مايو/ أيار، بالصواريخ (15 صاروخاً باليستياً وجوالاً)، والمسيرات (4)، فضلاً عن شنّ هجوم بطائرتين مسيّرتين على ناقلة نفط تابعة لـ(أدنوك)، أثناء مرورها في مضيق هرمز، واستهداف منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) بمسيرة؛ ما أدى إلى نشوب حريق بمنطقة «فوز»، وإصابة ثلاثة أشخاص من الجنسية الآسيوية.
فمن المفارقة أن يُصرح مسؤول عسكري إيراني مطلّع، بعد الهجمات الغاشمة على دولة الإمارات، بأنّ بلاده لم تكن لديها خطة مسبقة لاستهداف الإمارات، ولا المنشآت في ميناء الفجيرة، متهماً الجيش الأمريكي بما حدث، وفق التلفزيون الإيراني. ومن المفارقة أيضاً أن ينقل موقع «إيران إنترناشيونال» إدانة الرئيس مسعود بزشكيان للعدوان الغادر على الإمارات، ويشير إلى أن الحرس الثوري نفذه من دون التشاور مع، أو إعلام السلطات السياسية المعنية، وفي مقدمتها رئيس الجمهورية، ويُعلن عن غضبه من هذه الأفعال المنفلتة لكيان موازٍ للدولة.
وسواء صدقت هذه الأخبار، أو لم تصدق، فإنّ الدلائل الواقعية، منذ اغتيال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في 28 فبراير/ شباط الماضي، تقول بسيطرة الحرس الثوري بقيادة الجنرال أحمد وحيدي، على قرار الحرب والسلام في إيران، وعلى نظام الحكم برمته، والأهم، أنه وحده يمتلك مفاتيح الوصول إلى المرشد الإيراني الحالي، مجتبى خامنئي، الذي تتفاوت التقارير في وصف حالته الصحية بين عجزٍ عن أداء مهامه والإصابة بجروح، خطرة أو عاجز، متوسطة.
وتُظهر مؤسسات النظام المتحالفة مع وحيدي، لا سيما المجلس الأعلى للأمن القومي والباسيج، جبهة متماسكة في مواجهة مؤسسات الدولة الرسمية من برلمان، ورئاسة، ووزارة خارجية، ودعماً لإجراءات الحرس الثوري الهادفة إلى وقف حركة الملاحة في المضيق. فمثلاً، تشير التقارير من الداخل الإيراني إلى أنّ وحيدي وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، علي عبد الله علي آبادي، يقودان عملية صنع القرار العسكري داخل النظام.
إنّ تركيز الحرس الثوري لسيطرته على عملية صنع القرار الإيراني يشير إلى أن المسؤولين السياسيين الإيرانيين الذين يفاوضون حالياً الولايات المتحدة، لا يملكون الصلاحية اللازمة لتحديد المواقف التفاوضية لإيران بشكل مستقل، ويعملون كلجنة منقسمة بين متشدّدين وبراغماتيين، تفتقر إلى موقف، موحّد ومتّسق.
ويبدو أن وحيدي ودائرته الضيقة، قد همّشوا أدوار رئيس الجمهورية، بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، على الرغم من أن الأخيرين يكرران علناً خطاب الحرس الثوري.
بعبارة واحدة، فقد هيمن الحرس الثوري، في انقلاب قصر، على السياسة والحرب والحكم، في إيران، مهمشاً مؤسسات الدولة الأخرى، سواء أكانت منتخبة أم غير منتخبة. ومن هنا، نفهم أنّ قرار العدوان الأخير، الذي نفى وقوعه بعض المسؤولين العسكريين والمدنيين على التلفزيون الإيراني الرسمي، اتخذه الحرس الثوري، من دون تشاور مع قادة هذه المؤسسات، أو حتى إعلامها.
إن إيران كدولة مُختطفة من قبل ميليشيات الحرس الثوري التي يقودها أشخاص مؤدلجون، ويلعبون بالنار مع دول المنطقة، وغيرها، على الرغم مما يبدو من عواقب وخيمة لهذه التصرفات. وعليه، فإنّ الحل لإخراج المنطقة من دوامة العنف، والإرهاب، والترهيب، ليس في التفاوض مع أشخاص لا يملكون القرار، أو الحكم في إيران، وإنما في استعادة الدولة نفسها من زعماء ميليشيات الحرس الثوري.
إنّ استعادة الدولة بالمعنى الذي نطرحه يعني استعادة الدولة من الفاعلين من غير الدول، سواء كانوا فوق المستوى الوطني، أو دونه. كما أننا نعني أيضاً إعادة ترسيخ مبدأ الدولة المسؤولة في النظام الدولي؛ أي الدولة التي تتحمل تبعات قراراتها، وتلتزم بقواعد الاستقرار الإقليمي، وتخضع لمنطق المساءلة لا منطق الإنكار، أو تعدد الواجهات.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه