لا يختلف اثنان على أن إنشاء أسرة مترابطة وسعيدة ويملؤها التفاهم والمودة والسكينة هو مطلب لأي شخص عاقل، لأن الأسرة والبيت الدافئ هما ملاذ وأمان لأي إنسان. وفي هذا البيت الآمن المستقر ينشأ الأبناء الذين هم مستقبل الأمة وسبب من أسباب نهضتها، ولكن قد تسير الأمور والظروف إلى غير ذلك وتستحيل الحياة المشتركة بين الزوجين إما بسبب أحدهما أو كلاهما أو بتدخل من عائلة الزوج أو الزوجة وبالتالي يحدث الطلاق الرسمي والذي يسبقه طلاق نفسي بينهما.
وهذا الطلاق هو نهاية عقد وليس نهاية إنسانية، قد يظن أحد الشريكين المنفصلين أن هذا الحدث بداية معركة وميدان للانتقام بطريقة أو بأخرى، ويختار الانسحاب وانقطاع التواصل مع الطرف الآخر، والذي يدفع ثمنه الأبناء، فمن مصلحة الأبناء أن يتواصل الوالدان، فهناك مستقبل هذا الطفل الذي سيكبر، ومطلوب منهما الاهتمام والسؤال عنه، سواء كان يعيش مع أمه أو أبيه، فكيف سيحضران حفلات التخرج والمشاركة فيما بعد في زواج الأبناء؟
تواصل هادئ لمتابعة مسيرة الأبناء هو الهدية الحقيقية التي يُقدمها الوالدان لأبنائهما بعد أن عجزا عن تقديم هدية البقاء معاً.
والأبناء لا يحتاجون إلى أن يروا والديهم المنفصلين صديقين، لكنهم يحتاجون أن يروا فيهما إنسانين ناضجين قادرين على وضع جراحهما جانباً حين يتعلق الأمر بمستقبل من أحبّاهما معاً.
الطلاق ليس نهاية القصة، بل هو اختبار حقيقي لمعدن الإنسان وسمو أخلاقه، فمن السهل أن تُحب حين تكون الحياة جميلة، والأصعب أن تُحسن حين يكون الفراق قد أوجع.
وفي ديننا الإسلامي، الطلاق، وإن كان مباحاً، فهو أبغض الحلال إلى الله، وهذا وحده يكشف أن الشريعة لم تجعله باباً للتشفي أو ميدان انتقام، بل جعلته مخرجاً رحيماً حين تستحيل الحياة المشتركة، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم:
«وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ»،
فهذا أمر من الله بحسن معاملة النساء عند الطلاق، إما بإرجاعهن للزوجية برضا (إمساك بمعروف) أو إنهاء العلاقة دون إضرار (تسريح بمعروف).
