في الآية الـ 17 من سورة «الرعد»، يقول الحق سبحانه وتعالى: «فأمّا الزّبَدُ فيذهبُ جفاءً وأمّا ما ينفَعُ الناسَ فيمكثُ في الأرضِ» صدق الله العظيم.
تُلحّ هذه الآية الكريمة على ذهني مراراً وتكراراً كلما أوغلت السباحة في نهر مؤلفات العالم الجليل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي اختار أن يهجر الزَّبد والغُثاء واللغو ليعمل على بذر وصنع ما ينفع الناس، وهو العلم والثقافة والعمران والإنتاج وبناء الإنسان، ليصل لمرحلة النفس الراضية المرضية المطمئنة.
وفي ذلك تفاصيل هائلة لا تحتوي ما يتصل بالإمارات فقط، وإنما تمتد إلى الجهات الأربعة، إذ ما من جهة إلا وجدنا بصمة حضارية «ثقافية- ومدنية» للرجل ولإمارة الشارقة.
وربما يسعفني ما تبقى من عمر لرصد وتحليل معالم تلك البصمة، التي يبقى أهم ما فيها هو بناء الإنسان.
واليوم، أواصل السباحة في «مجمع التواريخ لشبه الجزيرة العربية وفارس» لأصل إلى الجزء الخاتم، وهو المجلد الثالث والثلاثون، الذي يضم بين دفتيه أحداث خمسة عشر عاماً تمتد من عام 1796 إلى العام 1810 ميلادي.
وفي مقدمة المجلد، كتب المؤلف الدكتور سلطان عن أنها مرحلة شهدت تحولات كبرى في ميزان القوى بين الدولة العثمانية وبين القوى الأوروبية، خاصة فرنسا وبريطانيا، حيث تبرز الأحداث الدور البارز للبعثة الفرنسية في مسقط، والدور الفرنسي المتنامي في محاولة للوصول إلى الخليج العربي عبر الدبلوماسية، ثم كيف توترت العلاقات بسبب الحرب البحرية بين فرنسا وبريطانيا، إلا أن فرنسا لم تتوقف عن السعي لتثبيت موطئ قدمها في الخليج.
وفي السياق الوثائقي التوثيقي نفسه، يشير المؤلف إلى الوثائق العثمانية التي تضم مجموعة أوامر وأحكام موجهة إلى ولاة بغداد والبصرة ومصر والحجاز، وتركز على حماية البصرة.
وتتناول المراسلات أوضاع فارس والعراق والاضطرابات الاقتصادية والسياسية، الأمر الذي يظهر أن الدولة العثمانية كانت في حالة استنفار إداري دائم، للحفاظ على سيطرتها على أطرافها العربية في وجه التهديدات الداخلية والخارجية.
وهنا أعيد بعض ما كتبته عن أننا أمام سفر علمي ومصدر أصلي يؤرِّخ وثائقياً للعلاقات الدولية في القرون السابع عشر والثامن عشر وحتى مطلع التاسع عشر، ويلقي إشعاعاً قوياً على أوضاع الخليج في تلك الفترة.
