الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخليج الذي نسي كيف يتعب

4 مايو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 4 مايو 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
الوفرة تبني المدن، لكن هل تبني الإنسان؟
***
كان أجدادنا رجالاً بسطاء، يعرفون البحر وأمواجه أكثر من الكتب. سمعت منهم جملة لم أفهم ثقلها إلا اليوم: «كان البحر يعطينا بقدر ما نتعب، وأخاف اليوم أن ننسى كيف نتعب».
لم يكونوا يتحدثون عن البحر وحده، بل عن شيء أعمق. التعب الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع رزقه. ذلك التعب الذي علّمنا قيمة الأشياء وكيف نصبر. الوفرة أعطتنا كل شيء، وأخذت منا التعب.
الحكاية ليست بكاءً على ما مضى، بل هي قصة إنسان خليجي تربى على الكفاف والصعاب. في الصحراء، لم يكن الصبر ترفاً، بل كان الطريق الوحيد للبقاء. وفي البحر، رمى أجدادنا حياتهم للمجهول وهم يعرفون أن الرزق يأتي من قلب الخطر. لم نكن نملك أشياء كثيرة، لكن كان لكل شيء معنى، لأننا دفعنا ثمنه مقدماً من صبرنا وعرقنا.
ثم، وفي غمضة عين بمقياس عمر الأمم، تغير كل شيء. انتقلنا من مجتمع «الفريج» إلى المدن العالمية والناطحات التي تسابق الغيم. هذا التحول الخاطف لم يغير شكل شوارعنا فحسب، بل أعاد ترتيبنا وترتيب بيوتنا من الداخل. المدن الحديثة سريعة ومغرية، تقدم لك كل شيء دون أن تتعب. الوفرة بحد ذاتها ليست شراً، لكنها قد تُسكت أصواتاً عاقلة عرفت التحديات وجربت الحاجة. صرنا نملك الحلول الجاهزة لكل شيء، وفقدنا تلك القدرة الفطرية على مواجهة التحديات من لا شيء.
نحن اليوم نعيش جرداً حقيقياً لهويتنا. نعم، ما زلنا نتمسك بالكرم والفخر بالانتماء، لكن الجوهر بدأ يتغير. لهجتنا المحلية تفقد مفرداتها الخاصة وتذوب في لغات العولمة، وقصص الأجداد الإنسانية باتت تبقى في الكتب فقط. الجيل الجديد يملك كل الإمكانيات، لكن هل يملك تلك الروح التي كانت تصنع من الحاجة حكمة؟
القضية ليست دعوة للعودة إلى ما كان، فالزمن لا يعود للخلف والمدن لا تتوقف عن النمو. السؤال هو عن المستقبل: كيف نكون جزءاً من هذا العالم الحديث دون أن نصبح نسخاً باهتة منه؟ كيف نحافظ على هويتنا حية في زمن يذوب فيه كل شيء؟
ربما السؤال الحقيقي الذي تركه لنا أجدادنا ليس عن البحر ولا عن الصحراء، بل عن التعب، ذلك التعب الذي يصنع الإنسان في الخفاء. الجيل الحديث لم يختر أن ينسى كيف يتعب، بل وُلد في زمن تغيّر فيه مفهوم التعب. وهذا ليس ذنبه، لكنه التحدي الرئيسي له. جدّي لم يكن يخشى الوفرة والتطور، كان يخشى أن تُنسينا أننا كنا يوماً قادرين على التأقلم مع كل الصعاب والتحديات. وحين ننسى ذلك، لا نخسر الماضي فحسب، نخسر القدرة على بناء المستقبل.
يبقى السؤال: ما الذي خسرنا؟

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه