من إيران إلى لبنان مسافة جغرافية تُقدَّر بنحو أربعة آلاف كيلومتر من الانتشارات والانتصارات والانتحارات، بدت كلّها أخيراً وكأنها لم تكن مفاجئة أو محيِرة ومُعقّدة وطويلة جدّاً -اليوم- فوق الأرض أو تحتها بالنسبة للبنان الرسمي وللبنانيين في أسرتهم أو للجنوبيين في الخيم والعراء وللإعلاميين والأحزاب وحتى للعرب، إنّها الحقيقة تحمل الواقع الغريب العجيب الدموي المُرعب وقد بدت وستبدو كلّ يوم أكثر فجاجةً لمستقبل السلطات اللبنانية واللبنانيين عبر لبنان والمنتشرين الذين يتابعون جحيماً مقيماً من الحروب الصاروخية الهائلة ذات الصفات الدائرة والمتواترة والشديدة التعقيد والترشيد بين الولايات المتحدة ومعها إسرائيل -أوقُل بين دول العالم-من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يكن يُدرك أحدٌ منهم -وكأنهم في لبنان شعوباً وقبائل ومسؤولين- أن «الكنوز الذهبية المتفجّرة» تحت الأرض إذ داهمتهم المفاجآت التي أقلقتهم والعرب والعالم لكأنّها لعبة تمطّت وتتمطّى خلسةً نيراناً صاروخية نائمة متلحّفة طويلاً تحت المباني والمشاعات والأراضي الزراعية والأسّرة لتوليد نسيج لبنان الجديد الجريح القتيل.
مشاهد لا تقبلها عين للتعبير وهذا أشد الاعتراف وأصدقه من الوطن الصغير الذي لا يمكنك تعداد طوائفه ومذاهبه وأحزابه وعلاقاته وفلسفات مسؤوليه وإعلامييه بارتباطاته العربية والدولية التي يصعب تفكيكها تماماً ولو كما تتفكك أبراج المدن والقرى واللبنانيين أمام العيون العالمية في الشاشات والبيت الأبيض في عصر من الذكاء بل البلاهة الاصطناعية.
عذراً.. المقدّمة طويلة جدّاً، لم يتنفّس الحبر لجملة أنهكتني وأنا المُقيم فيها لأنّ الصوت والحبر مخنوقان وخائفان حمّلتهما واقع اللبنانيين وضياعهم وخسائرهم بعدما سكنتهم ومحقت أحلامهم الحروب أجيالاً فأجيال، تعمينا الدهشة في الجنوب المدمّر وحتى في العاصمة بيروت والضواحي لتختلط دماء الكوارث وأشلاء الناس والفقراء بدموع العيون المهاجرة المشتتة بأرجاء الدنيا الحالمة بصيفٍ للأولاد والبنات والأحفاد في زمنٍ دامٍ حزينٍ يطلّ صارخاً متردّداً مقهوراً ومُعتذراً عبر باحات المطارات في العالم: لن نعود.. إنها القيامة.
أمامي الآن ومنذ نشوب هذه «الحروب شبه العالمية» التي نبحث عن هويتها شهيقاً وزفيراً عبر مضيق هرمز الدولي والمضائق الدولية السياسية، مذكرات للشاه محمد رضا بهلوي وهو كتاب بالفرنسية فائق الأهمية عنوانه مترجماً: «جواب على التاريخ»، صادر عام 1979 عن دار «ألبان ميشال في باريس» في 294 صفحة.
الكتاب أبلغ من جدير بالقراءة وأكتفي هنا، بكلمات الشاه الأخيرة: «منذ العام 1976 قالت لي شخصيتان أمريكيتان في عالم الغاز والبترول إنّه في خلال عامين ينتهي الشاه»، المعروف أنّ المتّفق عليه عالمياً، كان أن يأخذ الشاه أسابيع للاستجمام منذ أن تمكّن شاهبور بختيار من إدارة المجلسين إذ تمّ عندها إعلان خروج الشاه ليس من طهران، بل من واشنطن في 11 يناير (كانون الثاني) 1979.
لماذا لبنان؟ لأنّ هذه الرقعة المحبّبة بل المحبوبة من العرب والعالم بل المشتّتة وقُل المتغربة في الدنيا والتي اكتسبت جنسيات العالم ومقيمة للجميع في مراكز القرار فتراها تتجاور أقليات عرقية ومذهبية إذ لكل منها تاريخها الخاص ولغتها وتراثها ما يجعل المساحة المشتركة اليوم أشبه بفسيفساء قابلة للاهتزاز مع كل تحول إقليمي بين بيروت المنفتحة نوافذها أبداً على العرب وعلى الغرب، بثقافتها الفرنكوفونية والأنجلوسكسونية، وحتى على طهران التي أعلنت وتُعلن اليوم قطيعة وتحدّيات هائلة مع النظامين القديم والجديد للعالم مما يتشكّل عبر خط تماس فكري وسياسي وعسكري وصاروخي يعكس صراعاً قد يتجاوز الحدود ويكاد يُطلّ، لا سمح الله، على ملامح حرب كبرى ثالثة.
