الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الحرب وإعادة تعريف النظام الإقليمي

10 مايو 2026 00:11 صباحًا | آخر تحديث: 10 مايو 00:11 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
وضعت الحرب الإيرانية منطقتنا ونظامنا الإقليمي أمام مشهد غير مسبوق في تاريخ المنطقة، والعالم، وكشفت عمق وحِدّة المشكلات والأزمات التي كانت موجودة، لكنها كانت مضبوطة وفق تفاهمات الحدّ الأدنى في كثير من الأحيان، وقد كشفت أيضاً أن فكرة النظام الإقليمي نفسها، وصلت إلى مأزق كبير، هذه الفكرة التي تنطوي على مجموعة العلاقات بين الدول، بما فيها المعاهدات والاتفاقات، وآليات تحقيق المصالح، الاقتصادية والتجارية، وسبل التعاون الأمني بين المؤسسات المعنية، وهذه كلها اليوم في أسوأ حال لها عبر تاريخ المنطقة، خصوصاً أن المعنيين بالمشهد الحالي هم معظم دول العالم، التي تأثرت بهذه الحرب، بعد ارتفاع أسعار النفط، وإغلاق مضيق هرمز، وحالة عدم اليقين بما ستؤول إليه الأوضاع، في ضوء غياب إجابة واضحة عن سؤال عودة الحرب مرة أخرى، في حال بقي الوصول إلى اتفاق بين واشنطن وطهران متعذراً.
الإشكالية الكبرى التي تواجه الجميع اليوم، هي تحديد المصالح الممكنة، وليس المصالح المرغوب فيها، وإذا ذهبنا خطوة أبعد، يمكن القول إن هذه المشكلة تطال تعريف حدود القوة لدى كل دولة من الدول الإقليمية المنخرطة في هذا الصراع، بشكل مباشر أو غير مباشر، خصوصاً إيران وإسرائيل، المعنيتين بقراءة كلّ منهما لحدود قوتها، وممكنات تحقق هذه القوة بالفعل، ومدى قبول الدول الأخرى بوجود معادلات قوة غير متناسبة مع مصالح هذه الدول.
في العقد ونصف العقد الأخير، سعت كل من تركيا وإيران وإسرائيل، إلى تحويل نفسها إلى مغناطيس، يريد جذب أكبر قدر ممكن من القوى الأخرى، وكل واحدة من هذه الدول الثلاث استخدمت ما لديها من إمكانات، وأدوات، وأيديولوجيا، ووضعت خططها موضع التنفيذ، إذ إن كل واحدة منها أرادت أن تسبق الأخرى لتضع يدها على أكبر قدر ممكن من الجغرافيا والموارد، والهيمنة على أوسع قدر ممكن من القرار، وفي الأثناء كان النظام الإقليمي، برمّته، يذهب سريعاً نحو انهيار كبير في تعريف العلاقات بين الدول، وتناقص في قدرة الدبلوماسية على إيجاد حلول عقلانية قابلة للاستدامة.
من جهتها، قامت إسرائيل، وعلى خطوات، بإضعاف السلطة الفلسطينية الشرعية، وكانت مرتاحة إلى الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني الذي يضع الكرة في ملعب الفلسطينيين أنفسهم، ويظهرهم كفرق متخاصمة، سياسياً وأيديولوجياً، وعلى الرغم من مسؤولية هذا السلوك الإسرائيلي إلى حد بعيد في الوصول إلى «طوفان الأقصى»، إلا أن إسرائيل وجدت في هذا «الطوفان» فرصة مناسبة لتدمير فرص أيّ حل للقضية الفلسطينية، بعد أن دمّرت البنى التحتية والخدمية والصحية، في القطاع، وأودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين، وحوّلت غزة إلى قطاع من الأنقاض والبؤس الإنساني.
أما تركيا وإيران، فأسرعتا إلى الاستفادة من تداعيات ما سمي «الربيع العربي» في ساحات عدّة (العراق، ليبيا، اليمن، لبنان، سوريا، فلسطين)، بالاعتماد على قوى فصائلية غير نظامية، أضيف الكثير منها إلى ما كان موجود أصلاً، وقد أصبحت جميعها -بدرجات متفاوتة - جزءاً فاعلاً من المشهد العسكري والسياسي في الإقليم، على حساب تراجع الدول الوطنية التي كانت قائمة في هذه البلدان، الأمر الذي وضع الجميع أمام معادلة جغرافيا ممتدة ومفتوحة أمام قوى تعمل بالوكالة، على حساب الدولة، والمؤسسة، والنظام، والجيش.
في هذا السياق، لم يعد الحديث عن «نظام إقليمي» بوصفه بنية مستقرة قابلة للوصف الكلاسيكي كافياً لفهم ما يجري، لأن عناصر هذا النظام نفسها باتت موضع إعادة تشكيل مستمرة، فالعلاقات بين الدول لم تعد تُدار وفق قواعد متفق عليها، ولو ضمنياً، بل وفق توازنات متحركة تتغير بتغير الوقائع الميدانية، وبقدرة كل طرف على فرض أمر واقع جديد، أو تعطيله، كما أن مفهوم الردع الذي حكم الإقليم لعقود لم يعُد يعمل بالمنطق نفسه، إذ لم يعد الهدف منع الحرب، بل إدارة احتمالاتها، وتوزيعها على أكثر من ساحة، بحيث لا تنفجر في مركز واحد بشكل حاسم، بل تبقى موزعة على أطراف متعددة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال عن «النظام الإقليمي» نفسه غير محسوم، فهل لا يزال هذاالنظام قائماً بوصفه بنية يمكن تحليلها، أم أنه تحوّل إلى حالة حركة دائمة لا تستقر على شكل محدّد؟ وهل يمكن الحديث عن قواعد تحكم هذا النظام، أم أن ما يوجد هو فقط توازنات مؤقتة بين قوى غير متكافئة، تتغير باستمرار وفق منطق القوة لا منطق القاعدة؟.
وربما لا يكون السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان النظام الإقليمي قد انهار، أو لا يزال قائماً، بل ما إذا كانت المنطقة نفسها لا تزال قابلة لأن تُفهم عبر فكرة النظام أصلاً، أم أن ما نشهده هو انتقال بطيء نحو واقع لا ينتج نظاماً بقدر ما ينتج سلسلة متواصلة من التحولات التي لن تستقر في المدى المنظور على شكل نهائي؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه