الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من مآسي جنوب لبنان

10 مايو 2026 00:12 صباحًا | آخر تحديث: 10 مايو 00:12 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
المآسي في جنوب لبنان متنوعة، احتلال إسرائيلي، وغارات جوية يومية، واغتيالات، وتجريف قرى، وتهجير، ثم تحوَّلت نعمةُ المطر التي ينتظرها أصحاب المواشي والرعيان إلى نقمة لم تكُن بالحسبان. والعودة إلى القرية مُتعثرة، بل مستحيلة، فالوحوش الإسرائيلية المُتفلِّتة تتربص شراً، ولا تستأذن أحداً على الأرض أو في السماء عندما تنقضُّ على الفريسة. والفريسة ضحايا أبرياء، ومعهم قطعان خلقها الله على أرضٍ طيبة، وهي لا تعرف بمهالك الحروب، ولا بسياقات المفاوضات وبريق الشاشات.
آلاف الرعيان في جنوب لبنان، ينتشرون على مساحة البلدات والقرى والشِّعاب، ولهؤلاء حواضر من الماشية والقطعان على اختلاف أنواع الحيوانات الأليفة، تُزينها كلابُ الأمانة. والكلابُ تُحبُّ الأرض وتنشدُّ إليها ربما أكثر من كل الكائنات. يقول أبوعلي: خرجتُ مع قطيع الأغنام التي رعيتها بعناية وبشغف وبعرق الجبين، كما ربيتُ أولادي، وهي مصدر رزقي، وأكنُّ لها الحنين.
نزحنا مشياً إلى منطقة قريبة من الجنوب بعد سماع تهديدات إسرائيل وطلبها منا إخلاء البلدة. وفي مكان النزوح دخلنا إلى مراحٍ مكشوف وبجانبه عرزالٌ من خشب، بالكاد يحجب لذعة الشمس في النهار، ويقي من «الندى» في الليل، يملكه صديقٌ تعشعشُ فيه الأصالة اللبنانية والحميَّة العربية فوق كل الحسابات السياسية.
ويتابع أبوعلي: كنَّا اعتقدنا، كما في كل عام، دخل نوار (مايو)، ومعه يسافر الشتاء إلى البلاد البعيدة، ويتركنا نرقص فوق الغلال ووراء القطعان، وننام ملء الجفون، فلا الحرُّ يكوينا، ولا برد الليل يؤذينا، فنوار عندنا مقبولٌ ولو جار، وإذ بالعاصفة الهوجاء الباردة تضرب من دون رأفة، وبردها قارسٌ لا يأبه لحيطان المراح، بينما السماء التي حملت لنا الصواريخ القاتلة والمُسيرات اللعينة، تركتنا نتفرَّج على «حبال» المطر الغزيرة، ومَن فوق السماء يشهدُ على عذاباتنا، ونتكلُ عليه ليأخذ حقنا من المعتدي، ويرأف بنا على كُل حال.
في كل بلدة جنوبية عددٌ من الرعيان الطيبين الصابرين، عاشوا حياتهم نكبة بعد نكبة، وبينما كانوا ينتظرون الفرج بعد أن تغيَّرت موازين القوى وقواعد الاشتباك مع نهايات العام 2024، وإذ بحروب «المساندات» الغريبة العجيبة تفتح عليهم جحيماً إسرائيلياً بغيضاً، كانوا اعتقدوا أنه ابتعد عنهم بعض الشيء. والويل الويل لمن يأمن شرّ إسرائيل. والقطعان التي انتظرت صفوة عشب الربيع، لا تريد ترك المراعي ولا تريد الرحيل إلى مكانٍ بعيد، ولا تستمع للإنذارات ولا تخاف من القصف القاتل. أما الكلاب الأمينة فاحتارت في الاختيار، بين رحيلها مع الرعيان وبين بقائها مع القطيع، فحراسة كلاهما أمانةٌ، والحارس هو نفسه ليس بأمان.
على صعوبة النزوح من المنازل المبنية بالكدّ والتعبِ وعرق الجبين، وهي مُعرَّضة حكماً للدمار، فهذا النزوح المقيت أهونُ حالاً من تركِ القطيع في المراح من دون طعامٍ وشراب، وإفلاتها في البراري أصعب من الإقدام على تنفيذ مُنكرةِ الموت الرحيم، سيأتي وحوش الغزاة لاقتناصها من الجو، وسيأتي وحوش البرّ لافتراسها في لحظة الهلع الكبير.
أيها القابعون بلا عاطفة أمام شاشات العقول الاصطناعية، ووراء الميثولوجيات الموسومة الغريبة على ضفتي جنوب الجنوب وشمال الجنوب، اتَّقوا الله فيما تفعلون، والله حق وعدل وسلام قبل أي شيءٍ آخر، وهو لا يأمر بالقتل، ولا يُشرِّع السوء والضغينة، وهو أساس الملك، لا يوصي «براري» واسعة من حقوق الناس لتكون ملكاً - أو كياناً كبيراً – لمعتدين غاصبين، يحترفون قتل الناس وتشريد الأبرياء، ويهلكون الأرض وما عليها من رعيانٍ وقطعان. وربُ العالمين ضنينٌ بأي منقلباتٍ تسيرون، وهو لم يُكلف أحداً باستعباد أحد، ولا بمباشرةِ الحرب واستقدام الويلات.
وحدها الدولة اللبنانية الجامعة صاحبة الحق بالدفاع عن اللبنانيين وعن أرضهم و«قطيعهم»، وهي قوية إذا ما وقف اللبنانيون جميعاً خلفها، وقادرة على ردع إسرائيل وتحرير الأرض وتأمين الاستقرار، والفرصة مُهيأة لتوفير ظروف مناسبة تحفظ التضحيات وتُعيد النازحين المنكوبين إلى بلداتهم وقراهم، وتستعيد الأسرى وتُحرِّر الأرض. واللحظة السياسية مؤاتية للوقوف إلى جانب الدولة وقواها الشرعية لتوفير مستقبل آمن للبنان. وعندما تعتدي إسرائيل مجدداً سيكون اللبنانيون جميعاً سداً منيعاً في وجهها.

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه