الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فن الاختصار

10 مايو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 10 مايو 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
من أصعب ما يواجهه البعض في التعبير عن أنفسهم ليس إيجاد الكلمات، بل اختيار أيها يقول وأيها يحذف. القدرة على إيصال الفكرة بأقل عدد ممكن من الكلمات مهارة لا يتقنها كثيرون، رغم أنها من أكثر المهارات أثراً في الحياة العملية واليومية. من يجيد الاختصار يصل إلى من حوله بسرعة، ويوفر وقت غيره، ويترك انطباعاً بأن أفكاره منظمة وواضحة. أما من لا يجيدها، فيدور حول الفكرة مرات قبل أن يصل إليها، ويفقد سامعه قبل أن يقول ما يريد قوله.
ما يجعل الاختصار صعباً على البعض هو أنه يحتاج إلى تفكير قبل الكلام لا أثناءه. الإنسان الذي يبدأ بالحديث قبل أن يرتب أفكاره يضطر إلى ترتيبها أمام سامعه، فيخرج كلامه طويلاً ومكرراً. أما من يأخذ ثواني قليلة قبل أن يبدأ ليحدد ما يريد إيصاله بالضبط، فيقول الفكرة في جمل قليلة محسوبة. هذه الثواني التي يأخذها قبل الكلام هي الفرق الفعلي بين النوعين من الكلام.
في بيئة العمل تظهر قيمة هذه المهارة بوضوح؛ لأن الاجتماع يطول لأن أحد الحاضرين لا يستطيع أن يوصل فكرته في دقيقتين، والبريد الإلكتروني الذي يستغرق عشر دقائق لقراءته رغم أن مضمونه تكفيه ثلاث جمل، والعرض التقديمي الذي يضيع وقته في تفاصيل لم يسأل عنها أحد؛ كل هذه أمثلة تظهر أن الإطالة ليست دليلاً على عمق الفكرة أو جودتها، بل قد يكون معناها أحياناًَ عدم وضوحها في ذهن صاحبها.
من يتدرب على الاختصار يتعلم شيئاً آخر مهماً وهو الثقة. الإنسان الذي يطيل الكلام قد يكون يفعل ذلك خوفاً من ألا تصل فكرته، فيكرر ويوضح ويعيد الصياغة بحثاً عن طمأنينة بأنه تم فهمه. أما من يثق بفكرته وبقدرته على إيصالها، فيقولها مرة واحدة ويترك للسامع أن يستوعبها. هذا الفرق بين الكلام الواثق والكلام القلق يلاحظه السامع، حتى لو لم يحلله.
الاختصار لا يعني الكلام البارد ولا الجاف، أو ضعف الجودة في إيصال المعلومة، بل يعني الكلام المركز، يعني أن كل جملة لها وظيفة. ومن يصل إلى هذا المستوى في تعبيره يكتسب احترام من حوله دون أن يلاحظ، وهذه المهارة لا تكتسب بالقراءة عنها، بل بممارستها بوعي في المحادثات والاجتماعات المهمة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه